كتاب الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري
وقد ترجم البخاري عدة أبواب، مفندًا فيها هذا الرأي، مثبتًا أن الخمر اسم لكل مسكر. لا فرق بين عصير العنب وغيره، ولا بين القليل والكثير، فيقول: (بَابٌ: الخَمْرُ مِنَ العِنَبِ)، (بَابُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهِيَ مِنَ البُسْرِ وَالتَّمْرِ)، (بَابٌ: الخَمْرُ مِنَ العَسَلِ، وَهُوَ البِتْعُ)، (بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ الخَمْرَ مَا خَامَرَ العَقْلَ مِنَ الشَّرَابِ)، (بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الخَمْرَ وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ) (١).
٢ - شرط المصر في الجمعة: وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَلَا تُقَامُ الجُمُعَةُ عِنْدَهُ فِي القُرَى الصَّغِيرَةِ، وَقَدْ رَدَّ البُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ فِي تَرْجَمَتِهِ (بَابُ الجُمُعَةِ فِي القُرَى وَالمُدُنِ) (٢).
٣ - نصاب الزكاة في الزروع والثمار: فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى وُجُوبِ العُشْرِ أَوْ نِصْفِهِ، فِي قَلِيلِ مَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ وَكَثِيرُهُ، أَخْذًا بِعُمُومِ الحَدِيثِ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ». وقد روى البخاري هذا الحديث، ولكنه روى عقبه حديث: «لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»، ثم قال: «هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الأَوَّلِ، [يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، " وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ "]، وَبَيَّنَ فِي هَذَا، وَوَقَّتَ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى المُبْهَمِ، إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ».
وقد قال السندي في تعليقه على هذا الحديث: «وَمُرَادُهُ الرَّدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، حَيْثُ أَخَذَ بِإِطْلَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - وَهُوَ حَدِيثُ " فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ ... "، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ مُبْهَمٌ، يُفَسِّرُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، - وَهُوَ " لَيْسَ فِيمَا أَقَلَّ ... " [فَالوَاجِبُ الأَخْذُ بِهِ لَا بِالمُبْهَمِ فَافْهَمْ]» (٣).
---------------
(١) " البخاري بحاشية السندي ": ٢/ ٣٢١، ٣٢٣، وانظر " الهداية ": ٤/ ٨٠، ٨٥ مطبعة صبيح بالأزهر؛ و" فتح القدير: ٤/ ١٨١، ١٨٢.
(٢) " البخاري بحاشية السندي ": ١/ ١٠٥.
(٣) " البخاري بحاشية السندي ": ١/ ١٧٠. وَالعَثَرِيُّ: قِيلَ هُوَ الذِي تَسْقِيهِ السَّمَاءُ، وَرَجَّحَ ابْنُ العَرَبِيُّ أَنَّهُ شِبْهُ نَهْرٍ يَحْفِرُ الأَرْضَ (" الترمذي ": ٣/ ١٣٢).
الصفحة 578