#30#
له: ((امض معي إلى المنزل لنأكل جميعاً ونرجع!)) فأبى فقلت لحاجب نجاح -ورأيته متمكناً من داره: -وأصلحك الله، إني قليل الصبر على الجوع، وأخاف أن يتأخر الأستاذ وأضعف عن حجتي في حضوره لغلبة الصفراء علي، وقد سألت هذا الرجل أن يطلق لي الذهاب إلى منزلي لآكل وأرجع فأبى))، قال: ((لم لا تأكل هاهنا؟)). وأجلسني في بشخانة فيها، واستحضر الطعام، فأحضرت مائدة نجاح بن سلمة، ولم يبق حلوٌ ولا حامضٌ ولا حار ولا باردٌ إلا نقل علينا. حتى إذا بلغت إلى الحلواء من الطعام، دخل الدار نجاحٌ فجلس في المجالس، ورآني في دخوله، ومكاني من البشخانة، فبعث إلي غلاماً له [يقول]: ((بحياتي استتم أكلك ولا تتجوز فيه)). فأقمت حتى فرغ الطعام، وجاؤوني بالغسل والبخور، ثم قمت. فلما رآني ضحك إلي وقال: ((من علمك على هذا؟))، قلت: ((التوفيق))، قال: ((أجل!))، ثم قال لي: ((ارفع حسابك كيف شئت واحشه، فقد أمنك الله من اعتراضك بشيء تكرهه)).
قال يعقوب: قال لي أبي: ((فغدوت إليه بحسابي، فوالله ما زاد على التوقيع في الجماعات بإمضائها وتخليدها. ثم قال: ((متى تعزم على بلدك؟))، فقلت: ((يا سيديّ إنما أنتظر فيه إذنك، فكل شيء لي مفروغٌ منه))، فقال: ((اجعله بعد صلاة الجمعة))، قلت: ((أفعل)). ثم قال لي: ((تروح إلي لألقاك في حوائج لي؟))، فقدرت أن يحملني في الحوائج غرم الألف الدينار.
فلما رحت إليه. دخلت وهو خالٍ، فقال لي: ((إنك ترجع إلى بلد قد يئس منك فيه أهله، فأدخل الجار من جيرانك الخشبة في حائطك، والجار في البستان قد تحيف حدودك، فهب لي ما بينك وبينهم)). قلت: ((أفعل)).