#32#
وقلت له: ((كم يكفيك إلى منزلك؟)) فقال: ((دينار!))، فدفعته إليه وقلت له: ((إذا حدثتك نفسك بإخافة السبيل فابعث إلي حتى أمسك من رمقك، وأكف فاقتك)).
فما مضى شهر حتى اضطربت ناحية أهناس والبهنسا بتسلط رجلٍ من اللصوص -في جمع كثير، على كثيرٍ من المواضع، وكبسهم الضياع. وكانت لي أسلافٌ بسمسطا ونواحيها، فخرجت لقبضها في رفقةٍ من التجار، قد حملوا البز والطيب وما يحتاج إليه للأرياف. فإنا بنواحي المحرقة، حتى لقينا قطعةً من اللصوص، فساقتنا بأسرنا إلى موضع منقطع عن المارة، وفيه شابٌّ أصفر راكب فرسٍٍ، ومعد مقدار خمسة فوارس، فعرضت الجماعة عليه إلى أن بلغني، فتأملته فوجدته ((مسافراً))، فأكب على رأسي وتحفى بي، ثم قال لأصحابه: ((أخطأ والله حزركم، هذه رفقة شيخي وسيدي، ووالله لا دخل إلي منها شيء)). وسار معنا حتى أخرجنا إلى الأمن، ثم قال لي: ((أنا أعلم أنك لا تأكل طعامي، ولا تقبل شيئاً مني، وقد والله يا سيدي حببت إلي مجانبة ما أنا بسبيله، فنشدتك الله لما جعلتني طريقك في الرجعة!)). فتضمنت له ذلك.
ودخلنا مدينة أهناس، فشاع خبر ما أولاني في الناس. وكان المتقلد لها رجلاً من أصحاب أحمد بن طولون -يُعرف بفهم- متقدماً عنده أثيراً لديه فبعث إلي، وعرف مذهبي، فقال: ((قد أحفيت المسألة عن هذا الغلام، فرأيته لا يرى القتل، ولا هتك الحريم، وإنما يتعلق بأطراف الأموال ولا يبلغ