#34#
فحدثتني نفسي ببيعها فلم يطعني قلبي. فلما رجعنا ونزلنا المنهل الذي خلفت فيه الكيس، رأيت صحراء، وغلام على رابية يرعى غنيماتٍ له، وأقبلت أدور وأنظر إلى الأرض، فقال لي: ((ويحك! ما تطلب؟))، قلت ((شيئًا أودعته أرض هذا المنهل))، فقال لي: ((صفه لي))، قلت: ((كيس أحمر فيه مال))، فقال: ((ومالي فيه إن دللتك عليه؟))، قلت: ((نصفه!)) قال: ((ها هو ذاك في الرابية)). فلما رأى تحيري فيه، قام حتى أخرجه ووضعه بين يدي، فحمدت الله، وقسمت الكيس قسمين وخيرته أحدهما، فقال لي: ((إني أرى قسمي منه كثيراً، وأنا أكتفي بنصف أحد القسمين، فقسمته بقسمين، فقال: ((تقسمه أيضاً بقسمين))، ففعلت، فقال: ((ما أعجب أمرك! أتركه كله حراماً، ونصفه حلالاً، وآخذ منه شيئاً! هذا ما لا يكون، انصرف بمالك)). فقلت له: ((يا غلام! أنت حرٌّ أو مملوك؟)) فقال: ((مملوك))، فقلت: ((لمن؟))، فقال: ((لشيخ هذا الحي)).
فدخلت الحيّ فألفيت الشيخ والناس عنده، فقلت له: ((رأيت غلاماً في المنهل يرعى غنيمات وأسألك أن تبيعنيه))، فقال: ((اشتريته بعشرة دنانير))، فقلت: ((أنا آخذه بعشرين))، فقال: ((إن لم أبعه؟))، قلت: ((أعطيك به ثلاثين ديناراً))، فقال لمن حوله: ((أما تسمعون ما يقول؟ وما يحملك على أن تبذل به هذا الثمن؟))، فقلت: ((جمع علي ضالةً، فنذرت أن أعتقه وأبتاع الغنم [التي] يرعاها له، وأملكه إياها))، فقال: ((نذرت أن تفعل به هذا لفعلةٍ واحدةٍ من الجميل أولاكها، ولنا في كل يوم منذ ملكناه حسنة تقتضي أكثر مما نأتيه له. وأنا أشهد الجماعة أنه حرٌّ لوجه الله، وأن ما يرعاه له)).
فانصرفت عن الشيخ وقد بلغ بي ما أملته له)).