كتاب المكافأة وحسن العقبى

#36#
بالفسطاط، فهرب من المتوكل رجلٌ -كنى عن اسمه- خطير المنزلة. لميلٍ كان من المنتصر إليه، وتبرأ من حاشيته ولبس جبة صوف، فانتهى به المسير إلى مصر. فلما دخلها رأى فيها كثيراً من أهل بغداذ. فخاف أن يعرف فنزع إلى أريافها، فانتهى به المسير إلى ضياع النصراني، فرأى فيها منه رجلاً جميل الأمر. وسأله النصراني عن حاله، فذكر أن الاختلال انتهى به إلى ما ظهر عليه، فغير هيأته، وفوض إليه شيئاً من أمره فأحكمه فيما أسند إليه واضطلع به، ولم يزل حاله يتزايد عنده حتى غلب على جميع أمره، وقام به أحسن قيام، فكان محل الرجل الهارب من النصراني، يفضل كل ما ذهب له.
وورد على النصراني مستحثٌّ بحمل مال وجب عليه، [وسأله] النصراني عن خبر الناس بالفسطاط، فقال: ((ورد خبر قتل المتوكل وتقلد المنتصر، ووافى رسولٌ من المنتصر في طلب رجل هرب في أيام المتوكل يعرف بفلان بن فلان، ويوعز إلى عمال مصر والشام بأن يتلقوه بالتكرمة والتوسعة، فيلحق أمير المؤمنين في حال تشبه محله عنده)).
فعدل النصراني بالمستحث إلى بعض من أنزله عليه، وخلا الهارب بالنصراني فقال: ((أحسن الله جزاءك فقد أوليت غاية الجميل، وأحتاج إلى أن تأذن لي في دخول الفسطاط))، فقال: ((يا هذا! إن كنت استقصرتني فاحتكم في مالي، فإني لا أرد أمرك، ولا أزول عن حكمك، ولا تنأى عني، فقال له: ((أنا الرجل المطلوب بالفسطاط، وقد خلفت شملاً جمًّا ونعمةً واسعة، وإنما عدل بي

الصفحة 36