كتاب نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر ت الرحيلي

ومَثَّلَ لهُ ابنُ الصَّلاحِ بحديثِ: "لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ"1، مع حديثِ: "فِرَّ مِنَ المَجْذُوم فِرارَكَ مِنَ الأسَدِ"2 وكلاهُما في الصَّحيحِ وظاهِرُهما التَّعارُضُ.
ووجْه الجمعِ بينَهُما: أَنَّ هذهِ الأمراضَ لا تُعْدِي بطبعها3، لكنّ الله سبحانه وتعالى جعلَ مخالَطَةَ المريضِ بها للصَّحيحِ سبباً لإعدائِهِ مَرَضَه، ثمَّ قد يتخلَّفُ ذلك عن سبَبِه4 كما في غيرِهِ من الأسبابِ. كذا جَمَعَ بينهما ابن
__________
1 أخرجه البخاري، عن عددٍ مِن الصحابة، في كتاب الطب في عدة مواضع، هي: الأحاديث: 5753، 5756، 5757، 5772، 5776. وقال في موضعٍ مِن كتاب الطب: بَاب الْجُذَامِ وَقَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ"، فجمع بينهما. وأخرجه مسلم، 2220، السلام، و2222، و2224، 2223، 2225.
2 تُنْظَر الحاشية السابقة، وأخرجه أحمد، 9720، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ
رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ".
وأخرج البخاري في صحيحه، 5771، الطب، بلفظ: لا يُورَدْ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ، و5775، الطب، بلفظ: لا تُورِدوا المُمْرِضَ على المُصِحِّ، وبهذا اللفظ أخرجه مسلم، 2221، السلام.
3 تعليق على الجمع بين الحديثين: هذا الجمع ليس هو الذي يقتضيه المنهج؛
ولهذا نقول:
بل الصحيح هو أن المنفي في الحديث هو ما كان سائداً في الجاهلية مِن تخيُّلِ طبيعةِ انتقالِ العدوى بغير سببٍ صحيحٍ: مِن أسباب انتقال الأمراض المعدية التي يثبتها الشرع والعقل.
4 قوله: ثم قد يتخلف ذلك عن سببه: وهذا صحيح، وذلك لأسبابٍ أخرى أقوى، أو موانع، وليس إبطالاً لإثبات الأسباب الحاصلة شرعاً وواقعاً.

الصفحة 92