كتاب المدينة في العصر المملوكي

196…ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومن خلال الاطلاع على بعض المصادر المعاصرة في العصر المملوكي تبين لنا أن للمذهب الشافعي الغلبة في الانتشار في معظم فترات العصر المملوكي، وهذا يفسر لنا تعيين عدد كبير من القضاء والأئمة والخطباء في المدنية من فقهاء هذا المذهب. وقدم معظم أتباع هذا المذهب من مصر والشام وفارس، ويليه من حيث الكثرة المذهب المالكي، وقدم معظم أفراده من المغرب والأندلس، ثم المذهب الحنفي، وقدم أتباعه من شمال العراق وبلاد الروم، وما وراء النهر، والهند ثم المذهب الجعفري الإمامي الاثني عشري، ومعظم أتباعه ينتمون لأشراف المدينة الحسينيين وبعض سكان المدينة، وجماعات أخرى قدمت من العراق، يليه المذهب الحنبلي وهو أقل المذاهب من حيث عدد أتباعه في المدينة (1).
ومن المعلوم أن المذهب الإمامي الاثني عشري كان الأكثر انتشاراً قبل العصر المملوكي، يتضح ذلك فيما أورده ابن فرحون عن شخصية أبي بكر بن يوسف المحوجب النجار (2)؛ فقد ذكر سبطة عبد الله بن عمر الخراز أن المذكور حين قدم المدينة لأول مرة سنة 666هـ/ 1267م، لم يكن بها من يتسمى باسم أبي بكر أو عائشة، فقرر أن يغير اسمه ثم عدل عن ذلك (3).
وهذا يدل على مدى انتشار مذهب الشيعة الإمامية خلال تلك الفترة؛ فمن المعلوم أن الشيعة يكرهون التسمي بأبي بكر وعائشة، والسؤال الذي يطرح نفسه هل انشر المذهب الإمامي الشيعي خلال العصرين الفاطمي والأيوبي بين بعض أهل المدينة وأشرافها فقط أم شمل بعض المجاورين الذين وفدوا إليها خلال تلك الفترة؟
__________
(1) شمل ذلك الاطلاع على عدد من المصادر التاريخية مثل كتب التراجم والطبقات، أما الدراسة الإحصائية فشملت كتابي ابن فرحون، نصيحة المشاور ن والسخاوي، التحفة اللطيفة.
(2) هو أبو بكر بن يوسف المحوجب العسقلاني الأصل المصري، كان نجاراً ولد سنة 627هـ/ 1229م، وقدم المدينة سنة 666هـ/ 1267م مرسلاً من السلطان المملوكي الظاهر بيبرس ومعه المنبر المجدد للحرم النبوي توفي سنة 720هـ/ 1320م تقريباً، ابن حجر، الدرر 1/ 503.
(3) ابن فرحون، نصيحة، ورقة 70 ل ب، ورقة 71 ل أ.

الصفحة 196