كتاب المدينة في العصر المملوكي

197…
مهما يكن من أمر، فإنه يمكن القول: إن الهجرات التي تمت أواخر العصر الأيوبي وأوائل العصر المملوكي إلى المدينة من مختلف البلدان الإسلامية، كان لها أكبر الأثر في زيادة نسبة السنة على حساب الشيعة.
لقد كان أفراد تلك الهجرات من خلفيات اجتماعية ومذهبية متعدد، إلا أنها تتفق في انتمائها لأهل السنة والجماعة، وكان لدعم السلطة المملوكية للسنة في المدينة بتقليد الوظائف الدينية المختلفة ومشيخة الحرم له أثره في إضعاف شوكة الشيعة بصورة متزايدة، وكان المذهب الشافعي أسبق مذاهب أهل السنة في الانتشار بالمدينة، وهذا يعود لكثرة فقهاء الشافعية بمصر، وتقليد بعضهم للوظائف بالمدينة كما سبق (1)، على أن المذاهب الأخرى نالت حظاً وافراً من الانتشار ن وعلى رأسها المذهب المالكي، فقد كان لبعض فقهائه دور في نشره في المدينة، خلال النصف الأول من القرن الثامن الهجري.
ومن المعلوم أن الإمام مالك بن أنس ظهر في المدينة، غير أن مذهبه انتشر بشكل أساسي في بلاد المغرب والأندلس، ثما ما لبث المذهب المالكي أن عاد إلى الحجاز، على يد عد من فقهاء المغرب وعلى رأس هؤلاء أبو عبدالله محمد بن عصن (محصن) الأنصاري القصري (2)، والشيخ أبو عبد الله محمد ابن فرحون بن محمد بن فرحون اليعمري الجياني التونسي (3).
__________
(1) ابن فرحون، نصيحة، ورقة 88 ل ب، ابن حجر، الدرر، 3/ 224.
(2) من أهل جاور بالمدينة ثلاث مرات (709هـ/ 718هـ / 720هـ) عالم بالقراءات توفي بالقدس 723هـ/ 1323م، ابن فرحون، نفسه، 33 ل أ- 35 ل أ، السخاوي، التحفة، 3/ 7020 705.
(3) والد عبد الله بن فرحون، مؤلف كتاب نصيحة المشاور، ولد بتونس ونزح إلى المدينة، كانت وفاته بها 721هـ/ 1321م، ابن فرحون، نفسه، ورقة 39ل أ، ورقة 113 ل أ - 114 ل ب، السخاوي، نفسه، 3/ 706 - 710.

الصفحة 197