كتاب المدينة في العصر المملوكي

287…
د- الرحلات العلمية:
لقد حرص المسلمون في مختلف العصور والأقطار على الارتحال في طلب العلم، وكانوا يتكبدون المشاق في سبيل ذلك، غير أن الحجار تمتع بميزة أخرى، تجعله أكثر جذباً للعلماء وطلاب العلم، بحكم مكانته الدينية، فأكثر من يقدم للحج أو العمرة أو الزيارة يقيم فترة للمجاورة فيهما، وللتزود ببعض العلوم الشرعية، ولقاء علماء البلدان الذين لا يتيسر لقاؤهم في غير الحجاز، وربما يطيب له المقام، فيستقر فترة من الزمن، قد تطول أو تقصر، وفي هذه الحالة يعد مجاوراً، فيستفيد من اتصاله بالعلماء، كما يفيد غيره من علمه، وهنا يمكن أن نصنف الذين قاموا بهذه الرحالت إلى نوعين.
-نوع قاموا بالرحلة لطلب العلم والإفادة من علماء عصرهم.
-والنوع الآخر ممن نال حظاً وافراً من العلم فارتحل إلى أقطار أخرىفأفاد بعلمه الآخرين؛ بالتدريس والإفتاء وتولى الوظائف العلمية والدينية.
لقد جذبت المدينة بحكم مركزها الديني والعلمي عدداً من العلماء، وطلبة العلم الذين قدموا إليها لتلقي علومهم، ومن هؤلاء المؤرخ الحسن بن عمر بن حبيب صاحب كتاب "تذكرة النبيه في أيام المنصور بنيه" الذي قدمها سنة 733هـ/1332م والتقى بعدد من علمائها ومنهم الشيخ أبو البركات أمين بن محمد بن محمد بن محمد السعدي الأندلسي (1).
ومن هؤلاء المؤرخ تقي الدين محمد بن أحمد الفسي مؤرخ مكة، الذي قدم المدينة صغيراً برفقة خاله قضي الحرمين محيي الدين النوبري، ثم عاد إليها
__________
(1) ابن حبيب، الحسن بن عمر، تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه، تحقيق محمد محمد أمين، جـ2 (د. ط، مطبعة درا الكتب، القاهرة 1395هـ/1976م ص 243 - 244، 257.

الصفحة 287