وسعى به الواشون - وما أكثرهم في كل عصر - إلى جعفر بن سليمان،
وهو ابن عم ابي جعفر المنصور الخليفة العباسي، وقالوا له: إن مالكا لا يرى
ايمان بيعتكم هذه بشيء.
فغضب جعفر، واشتد غيظه، وليس هناك ما يغيظ ذوي السلطان اكثر
من فضح باطلهم والمساس بسلطانهم، لهذا استدعى جعفر بن سليمان مالكا،
وجرده من ثيابه، وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت من كتفه.
وقد وضح ابن الجوزي سبب ضربه حيث قال في سنة سبع وأربعين
ومائة: وفيها ضرب مالك بن انس سبعين سوطا، لأجل فتوى لم توافق غرض
السلطان (1).
وكان - رضي الله عنه - يأتي المسجد، ويجلس فيه، ويشهد الصلوات
والجمعة والجنائز، وكان يعود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجتمع عليه
اصحابه وهو في مجلسه في المسجد.
ثم ترك الجلوس في المسجد، فكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك
حضور الجنائز فكان يأتي أصحابها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله، فلم يكن
يشهد الصلوات في المسجد، ولا الجمعة، ولا ياتي احدأ يعزيه، ولا يقضي
له حقا.
يقول الواقدي: واحتمل الناس له ذلك حتى مات عليه، وكان ربما قيل
له في ذلك فيقول: ليس كل الناس يقدر ان يتكلم بعذره (2).
وقد ذكر في تعليل ذلك مرض اصاب الإمام - رضي الله عنه - وهو
سلس البول، وكان رايه انه لا يجوز ان يجلس في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وهو على غير طهارة، وكان يرى ان ذلك استخفاف بحرمة المسجد النبوي
__________
(1) الوفيات (4/ 37 1).
(2) نفسه (4/ 6 3 1).
155