كتاب المدينة المنورة معالم وحضارة

الشريف (1)، وسلس البول مرض يبيح لصاحبه ترك الجمعة والجماعات وغيرها
من الطاعات.
ولكن ابن كثير - رحمه الله - كان يرى ان السبب الذي دعا الإمام إلى
ترك الجمعة والجماعة ومخالطة الناس، سبب سياسي، حيث يقول: ومن
وقت خروح محمد ين عبد الله ين حسن (المعروف بالنفس الزكية) لزم مالك
بيته، فلم يكن ياتي احد لا لعزاء ولا لهناء (2).
ومن المعلوم أن محمد بن عبد الله بن حسن، خرح على الخليفة العباسي
ابي جعفر المنصور واتخذ المدينة مقرا له، وظل بها حتى قتل في رمضان سنة
خمس واربعين ومائة، أي قبل وفاة الإمام مالك - رضي الله عنه - باربع
وثلاثين سنة.
ومعنى ذلك أن الإمام مالكا- رضي الله عنه - ظل بعيدا عن الجمعة
والجماعات، والاختلاط بالناس هذه المدة الطويلة المذكورة وهي أربع
وثلاثون سنة.
وهذا مستبعد عقلا، وإني أرجح أن يكون خروح محمد بن عبد الله بن
حسن على الخلافة، وإعلان إمامته، وطلب البيعة لنفسه، قد تسبب في انقطاع
الإمام عن مخالطة الناس وبخاصة بعد ان قتل، وظل الإمام مواظبا على
الجمعة والجماعات وتعزية الناس وتهنئتهم في بيوتهم دون أن يشترك في
مظاهر جماعية، لاستبعاد الشبهة، وعدم إثارة الفتنة.
ونحن قد علمنا أنه - رضي الله عنه - جلد سبعين جلدة، ومد ذراعه
حتى انخلع من كتفه سنة سبع وأربعين ومائة، اي بعد قتل محمد بن
عبد الله بن حسن بسنتين.
فلما أصابه سلس البول انقطع عن حضور الجمعة والجماعة، وكان
اجتماع السببين مبررا للإمام أن يعتزل الناس تماصأ والله أعلم.
__________
(1) حاشية الوفيات (4/ 136).
(2) البداية والنهاية (0 1/ 174).
101

الصفحة 101