وإلى هنا ونلاحظ ان الحوار بين الطرفين: الأنصار والمهاجرين كان
هادئا وملتزما، غير ان كلمة الحباب - رضي الله عنه - (ولكنا نخاف ان يليه
اقوام قتلنا اباءهم وإخوتهم) تشير إلى اتهام المهاجرين - رضي الله عنهم-
بالانتقام وعدم الإنصاف إذا ولي الأمر رجل منهم قتل ابوه او اخوه في معركة
من المعارك التي كانت بين المسلمين والمشركين.
والكلمة وإن لم تكن اتهاما صريحا غير انها تفيد هذا الاتهام، مما اثار
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - واضطره إلى أن يرد هذا الرد القاسي على
الحباب، إذا كان ذلك فمت إن استطعت.
وكاد الحوار الهادىء الرزين ياخذ شكل المجابهة الصعبة بين المؤمنين،
ويبدو ان الأنصار كانوا يعتقدون ان لهم الحق في ترشيح انفسهم للقيادة، كما
ان للمهاجرين هذا الحق، ولم لا والإسلام قد سوى بينهم جميعا؟ ولماذا لا
يكون لهم هذا الحق وهم الذين اووا ونصروا، وجاهدوا وصبروا؟ وبماذا
يمتاز المهاجرون عنهم حتى يكون لهم هذا الحق دونهم؟؟
وهذا الخلاف بين المهاجرين والأنصار في هذه المسألة الخطيرة إنما هو
وجهة نظر ابداها كلا الفريقين، ولكل منهما ما يؤيد اتجاهه، ويجعله يتمسك
برايه، وذلك لأن الرسول - مج! يلأ- انتقل إلى الرفيق الأعلى، وفارق الدنيا دون
ان يضع هذا الأمر في شخص بعينه أو يوصي به لأحد من اصحابه، ومن هنا
كان لكل مؤمن ان يطمع في الحصول على هذا الحق الذي لم يعين له أحد،
وفهم الأنصار انهم أولى به من غيرهم، لأنهم اهل البلاد التي ستكون مقر
الخليفة وموطن الخلافة.
ولكن الأنصار - رضوان الله عليهم - فاتهم امر لم يفطنوا له، ذكرهم به
عمر- رضي الله عنه - حين قال: أنشدكم الله، هل تعلمون أن رسول الله-
مئى - امر أبا بكر أن يصلي بالناس؟
قالوا: اللهم نعم.
قال: فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقامه الذي أقامه فيه رسول الله؟
174