كتاب المدينة المنورة معالم وحضارة

قالوا: كلنا لا تطيب انفسنا، نستغفر الله (1).
وبهذا الهدوء الذي عاد إليه عمر، استطاع - رضي الله عنه - ان يحسم
الأمر، وان يوقف الحوار الحاد عند امد، وبتذكيرهم بتقديم الرسول - لمجؤ-
ابا بكر ليصلي بالناس، أعاد إليهم ما قد نسوه من احقية أبي بكر بهذا الأمر
دون سواه.
وكان اللغط قد كثر، وارتفعت الأصوات، وخاف عمر أن يقع الخلاف،
وتحتدم الأزمة، فرشح أبا بكر للخلافة.
وتكلم أبو بكر - رضي الله عنه - وذكر للأنصار فضلهم، فلم يترك شيئا
انزل في الأنصار، ولا ذكره رسول الله - ع! - من شانهم إلا ذكره، ثم قال:
لقد علمتم أن رسول الله - ع! - قال: لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار
واديا سلكت وادي الأنصار، ولقد علمت يا سعد ان رسول الله - لمجيم - قال: -
وانت قاعد- قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع
لفاجرهم.
فقال له سعد: صدقت، نحن الوزراء، وانتم الأمراء (2).
وبهذه الروح الودية، وبهذا الحوار الهادىء المبني على الإقناع
والاقتناع، صفت القلوب وتصافحت النفوس، وقضي على فتنة كادت تاتي
على الأخضر واليابس، وتعصف ببنيان امة فتية لم يزد عمرها على عشر
سنين، ولكن اخوة الإسلام جمعت بين القلوب المتنافرة، والمصلحة العامة
تغلبت على المصالح الخاصة، ورفع الجميع شعار الرجل المناسب في المكان
المناسب، والرئاسة في الإسلام تكليف لا تشريف.
وانتهز أبو بكر - رضي الله عنه - فرصة صفاء القلوب، وقدم عمر وأبا
عبيدة، وقال للحاضرين: وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم (3).
__________
(1) مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد الله بن عبد الوهاب (ص 467).
(2) البداية والنهاية (5/ 247).
(3) البداية والنهاية (5/ 246).
175

الصفحة 175