كتاب المدينة المنورة معالم وحضارة

قال يزيد لمسلم: فاخرج فانبئني نباك، وسر بالناس، فخرج مناديه
فنادى: أن سيروا إلى الحجاز على اخذ اعطياتكم كملا، ومعونة مائة دينار
توضع في يد الرجل من ساعته، فانتدب لذلك اثنا عشر الف رجل (1).
ونحن نلاحظ هنا ان مسلم بن عقبة أغرى الناس بالمال الوفير،
فالأعطيات كاملة وفوقها معونة مائة دينار لكل رجل ينضم إلى الجيش، وهذه
المعونة ليست مؤجلة، وإنما هي عاجلة ياخذها الرجل لتؤه.
إن مسلما يعلم أنه ذاهب لقتال اهل المدينة، وللمدينة قدسيتها ومكانتها
في نفوس المسلمين، وهو لهذا يعلم انه لن يغري المقاتلين بثواب الشهداء،
ولا باجر المجاهدين في سبيل الله، فإنه لو فعل ذلك لن يجد من يخرج معه،
لأن الذين يرجون ثواب الشهداء واجر المجاهدين هم المؤمنون الأتقياء الذين
يرغبون فيما عند الله، وهؤلاء لا يمكن أن ينضم منهم أحد إلى جيش خرج
لقتال اهل المدينة.
لذلك لم يكن بد من إغراء الناس بالمال، حيث يسيل له لعاب
المفتونين بالدنيا، والذين لا يعنيهم امر الاخرة في شيء، وقد اسرع فعلا
للانضمام إلى هذا الجيش اوباش الناس الذين لا يعنيهم إلا المال، ولا يهمهم
بعد ذلك من يقاتلون، ايقاتلون اصحاب رسول الله، ام يقاتلون أعداء الله؟
ولا يعنيهم كذلك إلى اي بلد سيذهبون، إلى مثوى رسول الله -لمجي! - ام إلى
ماوى الشيطان؟؟
وإني اعتقد انه لولا إغراء هذا الجيش بالمال والمال الوفير، لما خرج
أحد قط لقتال اهل المدينة، ولخسر يزيد المعركة بغير قتال.
اجتمع حول مسلم بن عقبة اتنا عشر الف فارس، وخمسة عشر الف
راجل، استعرضهم يزيد وهو على فرس له: فجعل على اهل دمشق عبد الله
ابن مسعدة الفزاري، وعلى اهل حمص حصين بن نمير السكوني، وعلى اهل
__________
(1) تاريخ الطبري (483/ 5).
232

الصفحة 232