كتاب المدينة المنورة معالم وحضارة

وكان منزله مفروشا بانواع المفارش الفاخرة، وكان إذا دخل منزله
يقول: ما شاء الله لا قوة إلَّا باللّه، ونقش خاتمه: حسبي الله ونعم الوكيل (1).
ولما سئل عن استعداده للحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذه الصفة
قال: احب أن اعظم حديث رسول اللّه، ولا احدث به إلَّا متمكنا على
طهارة؛ وكان يكره أن يحدث على الطريق او قائما او مستعجلا.
ويقول في ذلك: أحب أن أتفهم ما احدث به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2).
وكان - رضي الله عنه - يعظم المدينة، ويلزم نفسه فيها باداب يراها أحق
بها، من ذللف انه كان لا يركب دابة في المدينة مع ضعفه وحاجته إلى
الركوب، ويقول: لا اركب في مدينة فيها جثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مدفونة.
بالرغم من انه - رضي الله عنه - لم يفت حتى شهد له سبعون عالما بانه
اهل للإفتاء، إلَّا انه كان في اخر حياته نادما على ما افتى به، حكى الحميدي
أن القعنبي قال: دخلت على مالك بن انس في مرضه الذي مات فيه، فسلمت
عليه، ثم جلست فرايته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله، ما الذي يبكيك؟
قال: فقال لي: يا ابن قعنب، وما لي لا ابكي؟ ومن أحق بالبكاء مني؟
والله لوددت اني ضربت لكل مسألة افتيت فيها برأبي بسوط سوط، وقد كانت
لي السعة فيما قد سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي (3).
ومع ذلك كان - رضي الله عنه - غزير العلم، لم يكن له مثيل في حال
حياته، وقد روى الترمذي عن ابي هريرة - رضي الله عنه - قال: يوشك ا ن
يضرب الناس اكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون احدا اعلم من عالم
المدينة، وقد فسره ابن عيينة فقال: هو مالك بن أنس (4).
__________
(1) البداية والنهاية (0 1/ 174).
(2) الوفيات (4/ 136).
(3) الوفيات (4/ 136).
(4) البداية والنهاية (0 1/ 174).
99

الصفحة 99