كتاب إعلام العالم بعد رسوخه بناسخ الحديث ومنسوخه

نَهَى عَنْهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ.
فَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى النَّسْخِ، وَإِنِ اخْتُلِفَ فِي الْوَقْتِ.
غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُقَدَّمٌ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَحَدِيثُ سَبْرَةَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٌ.
وَالثَّانِي؛ أَنَّ عَلِيًا أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَثْبَتُ تَقْدِيمًا فِي الزَّمَانِ، خَفِيٌّ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَأَنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ مَا كَانُوا يُبِيحُونَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالنَّاسِخِ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ، فَنَهَاهُمْ.
إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ بُعْدًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ حَدِيثَ سَبْرَةَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْإِبَاحَةِ وَقَعَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ.
وَقَدْ حَكَى أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْمُتْعَةِ كَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَوَقَعَ النَّهْيُ عَنْ لُحُومِ الْحُمْرِ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَأَدْرَجَهُ الرَّاوِي، فَكَأَنَّهُ قَالَ: نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمْرِ يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ: وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ هَذَا: بِأَنَّ الْمُتْعَةَ لَمْ يَكُنْ لِتَحْرِيمِهَا سَبَبٌ فِي خَيْبَرَ، وَالسَّبَبُ فِي لُحُومِ الْحُمْرِ مَعْلُومٌ وَبَيِّنٌ.
قَالَ: وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ أَمْرٌ يُوَالِي عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَثْرَمِ.
وَرَأَيْتُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَمِيلُ إِلَيْهِ وَيَنْصُرُهُ.
قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ لَوْلَا أَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ الْمُتْعَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَمَا يُمْتَنَعُ أَنْ يُحَرَّمَ الشَّيْءُ، ثُمَّ يُبَاحُ، ثُمَّ يُحَرَّمُ، وَطَلَبُ تَغْيِيرٍ لِهَذَا فِي الشَّرِيعَةِ لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ.

الصفحة 343

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text