كتاب الجواهر الثمينة في محاسن المدينة

سيل الحجاب كان بمكة المشرفة، واحتجب دوراً كثيرة، وأحاط بالكعبة، وكان في إمارة عبد الملك بن مروان سحر يوم الترويه من عام ثمانين. وحكى السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)): أنه جاء سيل في أيام عبد الله بن الزبير طبق البيت الحرام، فكان يطوف سباحة وهو أول من كسا الكعبة الديباج، وكان له مئة غلام، لكل غلام لغة ليست لصاحبه، فكان يكلم كل غلام بلغته.
وللصفي الحلي:
بقدر لغات المرء يكثر نفعه ... وتلك له عند الملمات أعوان
فهافت على حفظ اللغات مجاهداً ... فكل لسان في الحقيقة إنسان
وفي سنة إحدى وسبعين وتسعمائة طاف بالبيت سيل عظيم، خرب الدور، وأخلى البقاع، وعلا على الركن اليماني مقدار ذراع، وفي سنة تسع وثلاثين وألف دخل مكة سيل لم يعهد مثله بحيث هدم الدور، وذهب بالمال، والرجال، ودخل إلى المسجد، وطاف بالبيت بحيث كان تاريخه رقى إلى قفل بيت الله، وبسببه انهدمت الكعبة، وعمل الناس في ذاك التواريخ، والأشعار، وكثر اللغط في عام تاريخه - غلط - وفي سنة أربعين بعد الألف كان بناء البيت الشريف. ومن التواريخ المنشورة فيه رفع الله تعالى قواعد البيت، وكانت هذه الفضيلة مما اختص بها مولانا السلطان الأعظم، والخاقان المكرم واسطة عقد آل عثمان، والمخصوص بالمناقب التي يعجز عنها البيان المسدد في الإصدار، والإبرام، مولانا السلطان مراد أصلح الله تعالى بماضي اهتمامه فساد العباد، وعمر بعدل سيرته البلاد، ولا انفك منشور عزه مكتوباً على جبهة الشمس وجماجم أعدائه مندرسة، كأن لم تغن بالأمس فياله من أثر تعفو دونه المآثر، وياله من تاريخ خير يبقى مع الدهر الداهر، وأكرم بها فضيلة اختصه الله تعالى بها دون آبائه، وشرفاً يسطر خبره في صدور قرطاس أنبائه.
هكذا وإلا فلا لا ... طرق المجد غير طرق المزاح
ومن تاريخ الفاسي:
بنى الكعبة الغراء عشرة ذكرتهم ... ورتبتهم حسب الذي أخبر الثقة

الصفحة 100