كتاب الجواهر الثمينة في محاسن المدينة

وبالجملة: فإنها رياض رق أديمها، وراق نسيمها، وتم طيبها، وترنم عندليبها، وتحركت عيدانها، وتمايلت أغصانها، وتفوقت أزهارها، وصوت هزارها، وتسلسلت جداولها، وتبلبلت بلابلها، وهذا ما أملته الخمائل بغمزها، والنسمات برمزها، وأشارت إليه الأزهار بلسان حالها، وترجمت عنه الأطيار في حلولها وارتحالها، وقال: الماء الذي جعل منه كل شيء حي، ألا يا أهيل هي الحي من طالع مثالي فهم ضرب أمثالي، ومن أُعجِمَ عليه أشكالي فليس من أشكالي، والحمد لله البعيد في قربه، والقريب في بعده، المتعالي في جده، عن هزل القول وجده، الموجد ما كان عدماً، المودع كل موجود حِكَمَاً، جاعل العقل حكماً يميز بين الشيء وضده (مَّا يَفتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحمَةٍ فَلاَ مُمِسكَ لَهَا وَمَا يُمسِك فَلاَ مُرِسِلَ لَهُ مِن بَعدِهِ ) [سورة فاطر: 2] ( لَّمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى ) وفي الله قلوب على الطاعة تقوى في حضرة ما أبهاها! وروضة ما أشهاها! الجداول قد سلت بأيدها كل صعب صقيل صيغ فضة بيد الضحى، وذهباً بيد الأصيل.
والأغصان كأنما خلقت منابر خطباء الحمام، وصورت أوراقها محاجر لدموع الغمام، والطير ما بين متطلع من ركنه، وقائم على غصنه، من كل مُفّوق الطلسان، ومطوق يزهو طوقه على طوق العقيان.
يصِلن بنواحي نوحهن وإنما ... بكيت بشجوي لا بشجو الحمائم
فلله هاتيك الحدائق وقد سقاها ماؤها النعيم، وألبسها نعماه النسيم، ونقل الشمال إلى الشميم طيبها (وتحركت بالأشواق إليها قلوب العشاق، ولا تحرك الأغصان حين حرك الهواء رطيبها) ولقد طالت حيرة البليغ في وصفها، وما عسى أن تحمل الشمال من طيب عرفها.
يا حسن هاتيك الرياض وطيبها ... فكم قد حوت حسناً يجل عن الحد
ولا سيما تلك السواني فإنها ... تجدد حزن الواله المدنف الفرد
أطارحها شجوي وصارت كأنما ... تطارح شجوها بمثل الذي أبدي
وما بين هاتيك النخيل منازه ... تجدد ما قد فات من سالف العهد

الصفحة 108