كتاب الجواهر الثمينة في محاسن المدينة

... إن قيل: لم كان القائم على الماء يرى أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، ويرى السماء تحت الماء مع أنها فوقه؟ الجواب: إن معرفة ذلك متوقفة على معرفة قاعدة من علم الهندسة، وهي: أن الشعاع الخارج من العين إذا اتصل بجسم صقيل كالماء لم يثبت عليه لصقالته، وزلق عنه إلى الجهة المقابلة للرائي، إن لم يكن الصقيل أمامه، بحيث تكون زاوية الالتقاء على الصقيل مثل زاوية الانعكاس في المساحة من غير زيادة، ولا نقصان. فهاتان الزاويتان في السعة واحدة، فيتصل طرف الشعاع بالقائم، ثم يجري فيه خياله إلى الماء فينقطع فيه، فكأن القائم وقع على سطح الماء، والقائم إذا وقع يصير أسفله أعلاه؛ فلذلك ترى السماء تحته وكل ما هو أعلى من صاحبه يراه أسفله، فلو أقيم الماء واقفاً كالمرآة رُؤي على هيئته، فالقائم في القائم في منعكس؛ لأن موضوع الانطباع، وهو ماء الماء أسفل القائم، وهو شعاع العين أتى إليه، فكأنه انطبع فيه، وهو قائم فأخذه، وانبطح. والانبطاح في الحقيقة إنما هو في وجه الماء، لا في عمقه والحس لا يمكنه ضبط ذلك، فيغلط فيه الفهم، فيراه في جوفه، كأنه قد غرق بعد الانبطاح على وجه الماء في الماء، ولو عرفت الشجرة كأن رأسها أسفل، وهو ضرورة، وكل ما هو أعلى مثل السماء، وغيرها يرى أسفل.
... وما أحسن ما قال:
أرى مستقيم الطرف ما دمت عندكم ... وإن مال طرفي عنكم فهو أحول
... وقال آخر بلسان أهل التوحيد:
بانعكاس الشعاع في المرآة ... وانعطاف الصدى على الأصوات
أيقن القوم أنه ليس في الكون ... ... سوى مقتضى شؤون الذات
... مسألة:

الصفحة 115