كتاب الجواهر الثمينة في محاسن المدينة

... والشيء بالشيء يذكر بالاستطراد، أو المناسبة، من غلط الحس أن الشخص الماشي قد يرى القمر تحت السحاب متحركاً إلى غير جهته التي يتحرك إليها بالذات، وذلك على رأي القائلين بالشعاع، وأنه المتحرك، وفيه كلام طويل يطلب من بابه، وأما رؤية الشمس كبيرة وصغيرة فلأن في جهة المشرق والمغرب رطوبات تتصاعد، فتنعقد شفقاً، فترى فيها الشمس كبيرة بسبب الرطوبات، ورؤية النار البعيدة كبيرة، وهي صغيرة، والجمال ونحوها في السراب طوالاً، ونظائر ذلك تطلب من علم المناظرة ولابن الهيثم كتاب في سبع مجلدات.

ص 185-190
... حدائق قباء:
ومن أحسن حدائق قباء، بل حدائق المدينة بالإجماع:
القويم مصغر القائم، فإنه كما قيل:
روض كمخضر العذار وجدول ... نقشت عليه يد النسيم مباردا
والنخل كالهيف الحسان تزينت ... فلبسن من أثمارهن قلائدا
... أو كما قال:
رياض إذا ما ذقت كوثر مائها ... أهيم كأني قد ثملت بأسفنط
من يجتهد في أن في الأرض روضة ... تماثلها قل أنت مجتهد مخطي
أمثل شوقاً شكلها في ضمائري ... فتتبع عيني ذلك الشكل بالنقط
... ولله در القائل:
لم لا أهيم إلى الرياض وحسنها ... وأظل منها تحت ظل ضافي
والزهر حياني بثغر باسم ... والماء وافاني بقلب صافي
... وبالجملة:
... فإنها ذات رياض تسلسلت جداول مائها، وقصور تزين الأفق بنجوم سمائها، بها النخيل التي لا تحصى، والأشجار التي لا تستقصى، غياضها مشهودة، وحياضها مورودة، بين مبانٍ وثيقة، ومغان أنيقة. وقد اشتمل على عمارة حسنة، وأوضاع بديعة مستحسنة، وبئر هي أوسع الآبار دولاباً، ومنازه تزهو محاسن وإعجاباً، وفيه إيوان بديع عنده بركة بديعة يصلح أن يقال فيها:
انظر إلى البركة الفيحاء التي اكتنفت ... بها النواظر كالأهداب للبصر
كأنما هي والأبصار ترمقها ... كواكب قد أداروها على القمر
... وقال آخر:
قد قلت في البركة الفيحاء وقد جمعت ... من البدور وأصناف الملاح زمر

الصفحة 116