كتاب الجواهر الثمينة في محاسن المدينة

من لطائف أخبار الملوك عن بعض رسلهم: أنه دخل على كسرى فرأى في إيوانه اعوجاجاً، فسأله عن سببه، فقيل له: إنه كان مكان بيت لعجوز فقيرة، فسألها الملك بيعه، ورغبها فامتنعت فتركه، وبنى الإيوان كما هو عليه الآن. فقال: هذا الاعوجاج خير من الاستقامة. وكان كسرى وضع في إيوانه سلسلة ذات أجراس، وجعل طرفها خارجاً عن القبة، ونادى: من كان مظلوماً فليحرك السلسلة ليعلم به الملك، فيزيل ظلامته. قال العسكري: وهذا هو الأصل في قولهم: حرك عليه السلسلة. ويحكى أن كسرى كان جالساً في إيوانه، فإذا حية قد دنت من عش حمامة في بعض شُرف الإيوان لتأكل فراخها، فرمى الحية بسهم فقتلها، وقال: هكذا نفعل بعدو من استجارنا. ثم إن الحمامة جاءت بحب في منقارها، فألقته بين يديه، فأخذه وقال: ازرعوه فنبت ريحاناً لم يُعرف مثله. فقال: نِعْم ما كافأتنا به الحمامة، وما أحلىما قال:
كل الأمور إذا نظرت إعارة ... إلا الثناء فإنه لك باقي
لو أنني خيرت كل فضيلة ... ما اخترت غير مكارم الأخلاق
واشتهر بئر النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - كالشدقاء بالعنب الجيد.

ص 190
... أنواع الكروم في قباء:
... وبالجملة: فإن في قباء من الكروم أنواعاً مختلفة، منها: المدني، وهو أنواع منه: البرني، ويقال: له المراودي، وهو أجودها لرقته وحلاوته، وهو يحاكي الزيني من أعناب الشام، ومنه البيض وهو دونه، ومنه السكر، وهو متوسط، ومنها: الحجازي، وهو أنواع، منه: البياضي، ويختلف في الرقة، والغلط، ومنه: السوادي، وهو أحسن منه، ومنه الخمري، وهو أجوده، ولا عجم لصغاره. وفي كتاب ((البركة في السعي والحركة)): أن نوحاً عليه الصلاة والسلام شكا من الغم فأوحى الله تعالى إليه أن كل العنب الأسود.
... وأحسن العنب ما كان في حدائق قباء، ثم العالية، ثم جفاف، ثم باقي بساتين المدينة، وكان بالعقيق كروم كثيرة.

الصفحة 119