... وبالجملة: فإنها بقعة تأرجت بطيب ترابها، وأشرقت أرضها بنور ربها، وطلعت آهلة بذورها من آفاق السعود، وتواصلت نفحات الهوى المقصور بها، ولا تواصل نسمات الهوى المدود، فهي الروضة المورقة الأشجار، والغيضة المؤنقة الأزهار. وقد قال:
فلو أنني في جنة الخلد بعدها ... ذكرت ولا أنسى للذاتها أنسا
... فيالها من رياض تعطرت بأرجائها الأنفاس، وقال لسان التصديق في جواب الاستفهام عنها لا بأس، رياض أشجارها باهية باهرة، وحياض أزهارها زاهرة. ما أزكى ما قال:
رياض بها الحصباء دُرّ تربها ... عبير وأنفاس من الشمال شمول
تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق ... وصح نسيم الروض وهو عليل
... رياض أثمارها باسقة، وغياض أطيارها ناطقة، فلو تأملت في أغصان رياضها الأنيقة لرأيت كُلاً بمفرده حديقة، فمدعى نضارتها عند أهل النظر مُسلم، وعلى محاسنها سالم من أن توصف إلا بأنه مونق معلم، قد فُجّرت على أرضها ينابيع البديع عيوناً، وأنشأت على رياضها من أغصان التفريغ فنوناً، فطفقت تخطر بأكمام ثمرها، وجعلت ترمق بأحداق زهرها، ولقد أغدقت سحابها، وتنمقت رحابها، وهب نسيمها، واهتز وسيمها، وطال ما أوقع القلب في شرك الهوى تغريد هزارها، وضاعف للصب غرامه طيب أزهارها، هوى قد طبق الأفق طيبها. وما أحلى ما قال:
هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس حيث حلّ حبيبها
فيا حسنها من رياض غدا ... جنوني فنوناً بأفنائها
جرى الماء فيها على رأسه ... لتقبيل أذيال أغصانها
... أو هي كما قال:
روض كأن ترابها ... أبداً بماء الورد يُسقى
(وكأن تربة أرضها جذبت ... من الكافور عرقا)
... أو كما قال:
رياض بكاها المزن وهي بواسِمُ ... فناحت بغير الحزن فيها الحمائمُ
وأودعت الأنواء فيهن سرها ... فنمّت عليهن الرياح النواسم
يبيت الندى في أفقها وهو ناثر ... ويضحى على أجيادها وهو ناظم
كأن الأقاحي والعقيق تقابلا ... خدود جلاهن الصبا ومباسم