كتاب الجواهر الثمينة في محاسن المدينة

كأن بها النرجس الغض أعيناً ... تنبّه منها البعض والبعض نائم
كأن ضلال القُضب فوق غديرها ... إذا اضطربت تحت الرياح أراقم
كأن غناء الورق ألحان معبد ... إذا رقصت تلك القدود النواعم
كأن نثار الشمس تحت غصونها ... دنانير في وقت ووقت دراهم
كأن بها الغدران تحت جداول ... منوع دروع أفرغت وصوارم
كأن ثماراً في غصون توسوست ... لعارض خفاق النسيم تمائم
كأن القطوف الدانيات مواهب ... وفي كل غصن مايس في الدوح حاتم
كأن بنان المصطفى قد لمسنه ... فأعداه منهن الندى والمكارم
نبيٌّ أتى غيثاً وغوثاً ورحمة ... ... عليه صلاة الله ما افتر باسم
... بئر حاء:
... أما بئر حاء: فقد اشتملت على بناء بديع محكم، حتى كأن أحجارها فيها عقد منظم يعجز أبناء الصناعة عن تصور شكلها، فضلاً عن الإتيان بمثلها يقتضي لها حسن مائها الغزير العذب بأن تكون من أحلى ما يشتهي القلب، ويشهد لها بالشراحة ما اشتملت عليه من الملاحة، وما تناهت في وصف محاسنها، إلا وأكثر مما قلت ما أدَعُ، ولقد أحسن التخيل من قال:
الماء قد عشق الغصون فلم يزل ... أبداً يمثل شخصها في قلبه
حتى إذا فطن النسيم أتى له ... من غيرة فأزالها من قربه
فإذا أتاه مهيمناً بعتابه ... في الحال قطب وجهه من عتبه
... وأما سانيتها في حسن تركيبها، وترنم عندليبها، فهي للأحزان تنفيس، وللأشجار مغناطيس إن جرت محالها بالماء أجرت الدمع كالدماء، وإن أسمعت غناها (جددت النفس غناها) فهي منبع الشجو، والغرام،ومجمع الهوى والمرام.
... وما أحسن ما قال:
أبداً هكذا تئن بشجو ... وعلى الفهار تدور وتبكي
... أو هي كما قال:
وسانية كانت غصوناً وريقة ... تميس فلما فرقتها يد الدهر
غدت في رياض الجزع تبكي وتشتكي ... بدمع على أيام عهد الصبا يجري
... وما أحسن ما قال:
يا يومنا بالجزع هل من عودة ... ليت الليالي للوصل تُعيد

الصفحة 123