ومن محاسن المدينة الشريفة: أن أهلها لا يعتنون بعلم الفلسفة، والرياضة، ولا كتب الكلام والجدل، إلا ما شذ من الأعاجم الواردة إليها من الآفاق، وإنما همتهم في الشرعيات، وما يحتاج إليه من العربية، وكان يقال قل ما شئت في المتحلي بالفلسفة من الركاكة والسفسفة، وقل ما يحرس مهجته من لا يخرس لهجته. وكان يقال: العلوم ثلاثة: رئيسة، ونفيسة، وخسيسة. فأما الرئيسة فهي الشرعية كالفقه، والحديث، والتفسير، وما في معناها. وأما النفيسة فهي العربية، وهي ثلاثة عشر علماً كما في ((المنهل الصافي))، وأما الخسيسة فهي علوم الفلسفة، وقد فصلتها في كتاب ((النصر)) وأنشد في ذلك قولاً:
... يا وحشة الإسلام من فرقة ... مشغلة نفسها بالسفه
... قد نبذت دين الهدى خلفها ... وادعت الحكمة والفلسفه
... وقال آخر وما ألطفه:
... اتق الله والزم هدى دينه ... وبعدهما فاطلب الفلسفة
... ودع عنك قوماً يعيبونها ... فلسفة المرء قُل السفه
... نكتة:
... في كتاب ((أخبار المأمون)) يروى: أنه بعث إلى صاحب جزيرة قبرس يطلب منه خزينة كتب اليونان، فجمع كبار دولته واستشارهم، فقال رئيسهم: الرأي عندي أن تبعث بها إليه، فإن كتب الفلاسفة ما دخلت على شريعة إلا وأفسدتها، فجهزها إليه، فكان من أمرها ما اضطربت له الأفهام، وزلت بسببه الأقدام، وأوقع في مهاوي الكلام: ( وَلَو شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرهُم وَمَا يَفتَرُونَ ). وما أحسن ما قال:
... وإذا طلبت العلم فاعلم أنه ... حمل ثقيل فانتخب ما تحمل
... وإذا عملت بأنه متفاضل ... فاشغل فؤادك بالذي هو أفضل
... وقال آخر:
... إذا ما أعز ذو علم بعلم ... فعلم الفقه أولى باعتزاز
... فكم عُرف يفوح ولا كمسك ... وكم طير يطير ولا كباز
... وقال غيره:
... وإذا أردت من العلوم أجلها ... فعليك بالقرآن والإعراب
... هذا لدينك إن أردت ديانة ... وهدى وذاك لمنطق وخطاب
... وقال وما أحلى قوله: