كتاب الجواهر الثمينة في محاسن المدينة

... قلت: الموجب لذلك عفة من كان يرد عليهم، وما اشتملوا عليه من حسن السيرة، وصفاء السريرة، لا كأيامنا التي لا يرد علينا إلا المنهوم؛ الذي لفظته إفاقة، وتجافته رفاقه، فلا يلبث بها حتى ينازع أهلها فيما بأيديهم، ويطعن في أعارضهم، وهو في دنياهم لا يعرف لهم حق التقدم، والجوار، ومتى ما أمكنه الغدر أغار.
... وما أصدق ما قال:
... ولست على غيب أحيلك لا ولا ... على مستحيل موجب السلب حيلتي
... وقال بعض الفضلاء:
... وما عند الإنسان عن فضل نفسه ... بمثل اعتراف الفضل في كل فاضل
... وإن أخس النقص أن يرمى الفتى ... قذ النقص عنه بانتقاص الأفاضل
... فتردى الوارد اليوم لا يزال في لباس التلبيس يجتذب مطالبه بمغناطيس التدليس، إلا ما شذ فمن رحم ربك، وقليل ما هم، والمثل في ذلك تغير الشكل لأجل الأكل، وفي الغالب إنما تكون إساءة الغريب الوارد على المورود الذي ينهل منه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
... وما أحسن ما قال:
... وما ضرني إلا الذين عرفتهم ... جزى الله خيراً كل من لست أعرف
... وكان يقال:
... المصائب أثمان التجارب.
... فياليتني كالزند يكتم أمره ... وإن كان في أحشائه النار تضرم

من ص 345-346
... من خصائص المدينة:
... جرت سنة الفعال لما يريد في خلقه: أن كل بلدة في الغالب تكون عوناً لغريبها حتى على سكانها، وعلى الخصوص المدينة المنورة، وكان المرحوم العلامة الشيخ إبراهيم بن أبي الحزم المدني، يقول: ليس من الرأي تعظيم الوارد إلى هذه الديار إلا بحسب ما يقتضيه الحال، فإنه بتعظيمه يطأ غيره، ثم يتمرد على معظمه فيطأه كذلك، وتكون إساءة عليه أكثر، وعلى الخصوص من لفظته القرى، وألف النوال والقِرى، وقد اتفق لي شيء من ذلك فكتبت لبعض أصحابي في خصوص هذه المعاني، فقلت:
... يا أهل طيبة لا زالت شمائلكم ... بلطفها في الورى مأمونة العتب

الصفحة 212