كتاب الجواهر الثمينة في محاسن المدينة

... قلت: وأنت ترى أن الملل والنحل على اختلافها، وتباين ائتلافها، لا يخلو منها قطر من الأقطار، ولا مصر من الأمصار، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقتهم، فمن فهم علة الخلق تنزه في رياض الأفكار، ومن وهم في سنة الخلق وقع في مشاغب الإنكار. ولأهل المظاهر مجال في حكم الظاهر، والله أعلم بالسرائر.
... ومن محاسن المدينة المنورة: أن حديث أهلها، وذكر شمائلهم المعطرة مما يرقص رؤوس الحكماء طرباً، ويحرك نفوس العلماء عجباً. وما أحسن ما قال:
... أوصافهم تسري أحاديثها ... مسرى النجوم الزهر في الأفق
... كما أحاديث الندى عندهم ... تسندها الركبان من طرق
... قال العلامة ابن حجر: ينبغي أن ينظر إلى أهل المدينة بعين التعظيم، وبرعاية التكريم، ولا يبحث عن بواطنهم، ولا عن ظواهرهم؛ لقول تعالى: ( وَلاَ تَجَسَّسُواْ ) ويوكل سرائرهم إلى الله تعالى؛ لأن الذنوب ما عدا الشرك تحت مشيئة الله تعالى، يعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، ولا يطلع أحد على تعلق إرادته عز وجل، فيحبهم بجواره كيف ما كانوا، أي: على ارتكابهم الذنوب الصغائر، والكبائر، فإن عظم الإساءة ولو في الدار لا يسلب حرمة الجوار.
... وما ألطف ما قال:
... وأحبها وأحب منزلها الذي ... نزلت به وأحب أهل المنزل
... وقال في ((الجوهر المنظم)): وصرف ما يتصدق به إلى أهل المدينة أولاً على أي حالة كانوا، وذلك لأن شرف الجوار ثابت لهم، أوجب الإعراض عن مساوئهم، والنظر إلى حرمتهم، وما تشرفوا به من ذلك الجوار الأعظم، ولذلك كثر في الأحاديث الصحيحة الدعاء منه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لهم بالبركة، وعلى من قصدهم بسوء بأقبح النكال. ثم قال: وقد استوفيت طرفاً من ذلك في كتاب ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) وقد قال:
... مهما يكن للمرء في القول فسحة ... فنسبته للذنب من أعظم الذنب
... وما أوقع ما قال القاضي الفاضل:

الصفحة 215