... وإن كثيراً مما يفعله المعتقدون في الأموات يكون شركاً، قد يخفى على كثير من أهل العلم، وذلك لا لكونه خفياً في نفسه، بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر، وكونه قد شاب عليه الكبير، وشبّ عليه الصغير، وهو يرى ذلك ويسمعه، ولا يرى ولا يسمع من ينكره، مع ما ينضم إلى ذلك من جماعة المحتالين على قبر، ويجبلون الناس بأكاذيب، ويحكونها عن ذلك الميت ليستجلبوا منهم النذر، ويستدروا منهم الأرزاق، ويقتنصوا النحائز، ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم، وعلى من يعولونه، ويجعلون ذلك مكسباً ومعاشاً، وربما يهولون على الزائر لذلك الميت بتهويلات، ويجعلون قبره بما يعظم في أعين الواصلين إليه من إيقاد الشموع، والأطايب، ويجعلون لزيارته مواسم مخصوصة، يتجمع فيها الجمع الجم، فيبهر الزائر، ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم، وتكالبهم من الميت، والتمسح بأحجار قبره، وأعواده، والاستغاثة به، والالتجاء إليه، وسؤاله قضاء الحاجات مع خضوعهم، واستكانتهم، وتقريبهم إليه نفائس الأموال، فبمجموع هذه الأمور مع تطاول الأزمنة، وانقراض القرن بعد القرن يظن الإنسان في أول عمره أن ذلك من أعظم القربات، ثم لا ينفعه ما علمه من العلم بعد ذلك، بل يذهل عن كل حجة شرعية تدل على أن هذا هو الشرك بعينه، وإذا سمع من يقول ذلك أنكره، ونبا عنه سمعه، وضاق به ذرعه، لأنه يبعد كل البعد أن ينتقل ذهنه دفعة واحدة في وقت واحد عن شيء يعتقده من أعظم الطاعات إلى كونه من أقبح المقبحات، وأكبر المحرمات، مع كونه قد درج عليه الأسلاف على مر الأعصار، وهذا كل شيء يقلد الناس فيه أسلافهم، ويحكمون العادات المستمرة، وبهذه الذريعة الشيطانية، والوسيلة الطاغوتية، بقي المشرك من الجاهلية على شركه، واليهودي على يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته، وصار المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، واستبدلت الأمة بكثير من المسائل الشرعية غيرها، وألفوا