... وكان موضع المسجد الشريف حديقة ليتيمين من الأنصار، هما: سهل، وسهيل، وكانا في حجر أسعد بن زرارة، وقيل: معاذ ومعوذ، فاشتراها النبي - عليه وعلى آله الصلاة والسلام - أو استوهبها وبناه مسجداً، وأمر بقطع ما كان فيها من النخل والغرقد، وكانت فيها قبور جاهلية، فأمر فنبشت، وأمر بالعظام فغيبت. ولمّا أخذ في بنائه قال: ((ابنوا لي عريشاً كعريش أخي موسى: ثُمامات وخشبات، وظلة كظلة أخي موسى، والأمر أعجل من ذلك)) قيل: ما ظلة موسى عليه السلام؟ قال: ((كان إذا قام فيه أصاب رأسه السقف)). وكان علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه، ورضي الله عنه - يرتجز في عمل المسجد فيقول:
لا يستوي من يعمر المساجدا ... يَدأب فيها قائماً وقاعدا
... ... ومن يُرى عن الغبار حائدا
... فأقيمت فيه سواري من جذوع النخل، ثم طرحت عليها العوارض، والخسف، والإذخر، فعاشوا فيه، وأصابتهم الأمطار، فجعل المسجد يَكِفُ عليهم، فقالوا: يا رسول الله! لو أمرت بالمسجد فطيّن، فقال: ((لا، عريش كعريش موسى)). فلم يزل كذلك حتى فارق الدنيا-صلى الله عليه وآله وسلم-وزاده شرفاً، وفضلاً لديه. ثم تداولته أيدي الخلفاء، والملوك، فوسعت فيه، وبنته بمقتضى حال الوقت، وتفصيل ذلك مما يطول شرحه، وقد تكلفت بأخباره التواريخ. وأنشدني العلامة الشيخ إبراهيم بن أبي الحرم المدني إجازة لنفسه:
من رام يستقصي معالم طيبة ... ويشاهد المعدوم كالموجود
فعليه باستيفاء تاريخ الوفاء ... تأليف عالم طيبة السمهودي
... وروي عنه - صلى الله عليه وآله وسلم-: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)).
... وعنه -عليه وعلى آله الصلاة والسلام-: ((من دخل مسجدي يتعلم خيراً ويعلمه، كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله تعالى، ومن دخله لغير ذلك من أحاديث الناس، كان كالذي يرى ما يعجبه وهو لغيره)).