من ظريف المحاضرة، وطريف المذاكرة أن الحرمين الشريفين اجتمعا في ميدان الفخر، ومن دونهما حجاز، وليس معهما لغيرهما في هذا المقام على الحقيقة مجاز، فتسنم حرم المدينة شرفاً من الشرف عال، ثم قال: الحمد لله الذي فضّلني على سائر البلاد، وجمع لي طريف الفضل والتلاد، وشرفني بحلول خير العباد، وأشرف كل حاضر وباد، وألبسني الفاخرة، وأعلى مقامي في الدنيا والآخرة، وجعل تربتي شفاء من السقام، وغباري دواء من الجذام، فلي الشرف على كل إقليم، والفضل في الحديث، والقديم، وباسمي نوّة كل خطيب، وعُرف تربي أطيب من كل طيب، فالمقام بي من المكاره جُنّة، وفي روضة من رياض الجنة، وحسبي فخراً بالمنبر الذي علت مراقيه، وحاز جميع الشرف براقيه، فإلى مسجدي تشد الرحال من كل قرية وبلاد، والصلاة فيه كما قد علم بألف صلاة، فلي الثناء الباذخ، والشرف الذي هو بأرض المجد راسخ، فلا غرو، إن سبقتُ في هذا المضمار، فأحق الخيل بالركض المغار، وأقسم من غاباتي بالأسود، ومن لاباتي بالحرار السود، ومن أزهار رياضي بوشي البرود، ومن أغصان نخيلي، وأشجاري بكل قدًّ أملود، ومن رماح بساتيني بالعالية ومن سواقي جناني بكل ساقية جارية، وجارية ساقية لكمالي فوق كل كمال، وجمالي أبهى من كل جمال، وحسبي من الشرق الذي لا يحد بالطول والعرض، أن ما ضم أعضاءه الشريفة بالإجماع أفضل الأرض، وفرق ما بين الدرهم والدينار في الصرف، كالناس ألف منهم بواحد، وواحد منهم كالألف.
سقى يئرب من بلدة ... ... وطاف بها مستفيض السحاب
بلاد تسامت بمن حلها ... وطابت وفيها الدعاء يستجاب
... وقال آخر:
رعى الله طيبة من بلدة ... وساق السحاب لأعتابها
فقد جمعت كل فضل جزيل ... ولا يدخل العضل من بابها
... وقال غيره:
إذا اهتزت مناكب ذي افتخار ... بقرب مليكه وعلو داره
فإني لا أزال أهز عطفي ... بجيرة أحمد حامي جواره