... وبالجملة: فإن المدينة المنورة، وإن كانت كثيرة اللأواء، فإن تحت ذلك فوائد يطول شرحها، ومتاجر يتضاعف ربحها، وكيف لا يتحمل المشاق من أراد أن يتمتع بسيد أهل الأرض والسموات، وينال ما وعد من جزيل المثوبات، وجليل الهبات، وإنجاز وعده الصادق له بشفاعته وشهادته، وبلوغ قصده في المحيا، والممات، وكم عسى تكون شدة المدينة ولأواؤها؟ وإلى متى تستمر مشقتها، وبلواؤها، لو تأملت يا هذا! لوجدت في البلاد ما هو في الشدة وشظف العيش، مثلها بل أشق، وأهلها لا يختارون عليها وهم على ذلك الحال، بل وينشدون في ذلك قول من قال، وما ألطفه:
بلاد ألفناها على كل حالة ... وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن
وتستحسن الأرض التي لا هواء بها ... ولا ماؤها عذب ولكنها وطن
ورب امرىء ألقى هواه على امرىء ... فلم ير منه غير ما يورث الحزن
... وربّما يوجد فيهم القادر على الانتقال فلا ينتقل، والقوي على الرحلة فلا يرتحل، بل يؤثر وطنه مع إمكان الارتحال، والقدرة على التحويل والانتقال .
فيا وطني إن فاتني بك سابق ... من الدهر فلينعم بساكنك البال
فإن أستطع في الحشر آتك زائراً ... وهيهات لي يوم القيامة أشغال!
... على أن المدينة مع شظف العيش بها في غالب الأحيان، قد وسع الله تعالى فيها على بعض السكان، وكثير من استوطنها حسن فيها حاله، وتنعم بها ماله، وكان من قبل في زوايا الخمول كثير الفاقة، قليل المحصول، فإن منّ الله تعالى على المرء بمثل ذلك هنالك، فنعم بها، فهو عنوان السعادة، وترجمان الشهادة، وإلا فمن وفقه الله تعالى صبّرة فيها، ولو على أحرّ من الجمر، وأمرّ من القهر فيستحلي مرارة غصتها لاستحلى عروس منصتها، وإن كان يلقى يسيراً من لأوائها ليوقى كثيراً من مصائب الدنيا، وبلوائها، فإن غاية المضرة المسرة والمبرة. وقد رُوي عنه وعلى آله الصلاة والسلام أنه قال: ((من قضى نهمته في الدنيا حيل بينه وبين شهوته في الآخرة)).