كتاب الجواهر الثمينة في محاسن المدينة

وعنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام: ((نعم المنزل العرصة لولا كثرة الهوام)). قال المطري: العقيق ما بين المحرم إلى غربي بئر رومة، ومنه الجرف، وسيأتي. ولم يزل العقيق نخلاً، وأعناباً حتى خربت تلك العيون، ولم يبق من عمارات العقيق إلا بعض الآثار، وبقايا رسوم الآبار، وما زالت النفوس ترتاح برؤيتها، والأرواح تنتعش بطيب نسمتها، ومن أحسن بساتين العقيق بئر مهدي، فإنها حديقة غرسها زاهر، وأنسها باهر، وماؤها عذب، وهواؤها رطب، وفيها للنفوس مسرة، ولأهلها بها أكرم مبرة. انتهى.
وأما سيل العقيق: فإنه أعظم سيول المدينة، وأحلاها، وأجملها، وأجلاها، ما بحر النيل عند إقباله إلا كثمده وأوشاله، وما الفرات وحلاوته عندما تروق العين طلاوته. لقد اختصت به أهالي المدينة حتى كأنه عندهم يوم الزينة.
وبالجملة: فإنه إذا سأل بالسلسال واديه، وتعطر بأزهار بساتينه ناديه، هرعت وجوه الناس إليه، وعولت في صفاء الوقت، وترادف المسرات عليه، فتضرب حوله الخيام، ولا سيما إن تحجب الشمس بالغمام، فترى الناس حوله ينتهزون فرصة اللذات، وينتهبون أوقات المسرات. قال أبو عبيدة: العقيق ينفق من قبل الطائف، ويرون: أنه أقام في بعض الأعوام نحو خمسة عشر يوماً، وهو في قوة الجريان بحيث لا يمكن سلوكه. من المعميات في السيل:
إذا ركب البيدا يخشى ويتقى ... ولم يثنه طعن ولم يلوه ضربا
ويأكل ما يلقاه عند لقائه ... ومن أعجب الأشياء ليس له قلبا
وفيه أيضاً:
ما اسم شيء إذا تصفحت جمع ... وهو يصطاد ما من البحر يجلب
وهو لا طائر وليس بوحش ... ثم إن رُمت قلبه ليس بقلب
يريد أن هذا الاسم، وهو لفظ سيل إذا تصحف كان شبكاً جمع شبكة، وهو معدود لصيد السمك من البحر، وهو غير الطير، والوحش، وقلب السيل قلباً وهو مادة التعمية. ولابن المعلم:
كم قلت إياك العقيق فإنه ... ضرب حاذره يصيد أسوده
وأردت صيد مها الحجاز فلم ... يساعدك القضاء فرحت بعض صيده
واختصره بعضهم:

الصفحة 98