كتاب أوضح التفاسير (اسم الجزء: 1)

{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} يخلطكم فرقاً؛ على أهواء شتى متباينة {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} شدة بعض في القتال. لما نزل قوله تعالى {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ}
قال «أعوذ بوجهك» فلما نزل {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: «أعوذ بوجهك» فلما نزل {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال: «هذا أهون وأيسر». وقد ذهب بعض مفسري هذا العصر إلى أن قوله تعالى: {عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} هو ما يلقى من الطائرات، من قنابل ومهلكات، وقوله: {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} هو الديناميت الذي يدسه الأعداء في باطن الأرض؛ يدل على ذلك ما بعده: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} ولم يقل ويذيقكم بأسه. وهو قول ظاهر التكلف، بادي التعسف. والمعنى المراد من الآية: {عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ} هو الصواعق - التي أهلك الله تعالى بها كثيراً من مكذبي الأمم قبلنا - وما تلقيه البراكين من الأحجار والحمم. وقوله: {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} هو الخسف والزلازل؛ أعاذنا الله تعالى من نقمته، بمنه ورحمته
{لِّكُلِّ نَبَإٍ} أنبأتكم به، وعذاب ذكرته لكم {مُّسْتَقِرٌّ} أي قرار يستقر عنده، ونهاية ينتهي إليها؛ فيعلم صدق النبإ من كذبه {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} صدق ما أنبأتكم به؛ حين ينزل بواديكم العذاب، وتندمون؛ ولات ساعة مندم
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا} يتكلمون فيها بما لا يليق؛ من النقد، أو الطعن، أو التكذيب {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ} تركهم عند خوضهم، والإعراض عنهم {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى} أي بعد التذكر
{وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ} الخوض مع الخائضين {مِنْ حِسَابِهِم} من آثام الخائضين {مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى} أي ولكن قيامهم وعدم القعود معهم لتذكيرهم بالقيام عنهم، وإظهار الكراهة لهم {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} الخوض في آيات الله
{وَذَرِ} اترك {الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ} الذي دعوا إليه، وكلفوا باتباعه، وهو الإسلام
{لَعِباً وَلَهْواً} سخرية واستهزاء {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} خدعتهم بزخرفها وبهرجها؛ فانقادوا إليها، وتمسكوا بها؛ وتركوا الآخرة وما يوصل إليها وراء ظهورهم {وَذَكِّرْ بِهِ} عظ بالقرآن، أو بالدين {أَن تُبْسَلَ} مخافة أن تبسل. والبسل: الحبس، والفضيحة، والهلاك. والبسل: أيضاً الإعجال والشدة. وأصل الإبسال: المنع {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} وإن تقدم كل فداء؛ والعدل: المثل {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ} حبسوا، أو فضحوا، أو أهلكوا {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} ماء شديد الحرارة
{قُلْ أَنَدْعُواْ} أنعبد {مِن دُونِ اللَّهِ} غيره {وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا} نرجع كما كنا كفاراً {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ} للإسلام وأنجانا من
-[161]- عبادة الأصنام؛ ونكون {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ} أضلته {الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ} بإغوائهم وتزيينهم؛ وصيرته {حَيْرَانَ} لا يدري ما هو فاعل، وماذا تكون عاقبته؟ {لَهُ أَصْحَابٌ} رفقة خيرون؛ يتمنون نجاته من زلته وتخليصه من سقطته {يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى} قائلين له {ائْتِنَا} أي ارجع عن غيك، وتعال في زمرتنا. فلا يجيبهم إلى ما يطلبونه، ولا يتبعهم إلى الهدى {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ} الإسلام، والتوفيق إليه {هُوَ الْهُدَى} وما عداه فهو ضلال ووبال

الصفحة 160