كتاب أوضح التفاسير (اسم الجزء: 1)

{وَذَرُواْ} اتركوا {ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} علانيته: كالقتل والسب، وسره: كالزنا والغيبة {سَيُجْزَوْنَ} في الآخرة {بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} يكتسبون من الإثم
{وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} الفسق: العصيان والترك لأمر الله تعالى {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ} يوسوسون {إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ} من المشركين {لِيُجَادِلُوكُمْ} فيما أحله الله تعالى وحرمه وذلك بقولهم - في حل الميتة - كيف تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتلهالله؟
{أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} أي كافراً فهديناه للإيمان؛ الذي هو حياة القلوب والنفوس {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً} هو نور الإيمان واليقين؛ يهدي به الله تعالى أولياءه الصالحين أو هو نور العلم والمعرفة {يَمْشِي بِهِ} أي بهذا النور {فِي النَّاسِ} يهديهم بهديه، ويرشدهم إلى ما ينجيهم في دنياهم وأخراهم {كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ}
ظلمات الكفر والجهل والخطيئة. (انظر آية 17 من سورة البقرة) {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} أي من هذه الظلمات. وكيف يخرج منها وهو لم يحاول الخروج، ولم يسع إليه، ولم يفكر فيه؟ {كَذلِكَ} كما زين للمؤمنين إيمانهم {زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وقد زين الله تعالى للمؤمنين أعمالهم، وللكافرين أعمالهم؛ بعد عرض الإيمان عليهم جميعاً: فآمن المؤمنون، وكفر الكافرون يؤيد هذا المعنى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} فترى أن التزيين قد حصل بعد عدم الإيمان
{وَكَذلِكَ} كما جعلنا في مكة صناديد قريش يمكرون فيها {جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا} أي جعلنا أكابرها مجرمين {لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} بالصد عن الإيمان، وإفشاء الفجور والفساد، والابتعاد عن طرق السداد والرشاد {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ} لأن وبال مكرهم عائد عليهم
{وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ} دالة على صدق الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه {قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ} لك {حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} أرادوا لعنهم الله أن يكونوا مثل أنبياء الله تعالى ورسله؛ فيمدهم بالآيات، ويخصهم بالمعجزات ونظيره قوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} وذلك لمزيد كفرهم، وبالغ كبرهم، وقد رد الله تعالى عليهم بقوله: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} فيختار لها الأبرار الأطهار، لا الكفار الفجار؛ ويعد لحمل شريعته، صفوة خليقته فكلهم - عليهم الصلاة والسلام - من خيرة الأنام فكيف يختار معهم بعض الكفرة اللئام؛ الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وعبدوا من دونه الطواغيت، واختاروا العصيان على الإيمان، وعصوا الرحمن وأطاعوا الشيطان فهيهات هيهات لما يقولون {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ} ذل وهوان.

الصفحة 169