كتاب أوضح التفاسير (اسم الجزء: 1)

{فَنَذَرُ} نترك {الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} أي لا يؤمنون بالبعث؛ ولا يرجون ثواباً ولا عقاباً وإنكار الآخرة وما فيها من بعث وحساب، وثواب وعقاب: يكون بلسان الحال، كما يكون بلسان المقال: فرب مؤمن بالآخرة بلسانه، وأعماله تبالغ في تكذيبه إذ أن الذي لا يقوم بما فرضه الله تعالى عليه من عبادات: غير مؤمن بالآخرة؛ ولو أقسم على إيمانه بها؛ فإن يمينه غموس، والذي يرتكب الموبقات، ولا يخشى رب الأرض والسموات: غير مؤمن بالآخرة؛ وإلا فكيف يكون مؤمناً بالآخرة من يخشى المخلوقين، ولا يخشى أحسن الخالقين؟ كيف يكون مؤمناً بلقاءالله: من يخشى الناس كخشية الله أو أشد خشية
إن من شرائط الإيمان بالآخرة أيها المؤمن: أن تخشى عقابها وتطمع في ثوابها، وأن تعلم أن ربك قد أحصى عليك عملك، وأنه محاسبك؛ فمجازيك عليه: إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} يترددون متحيرين
{وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ} المرض، أو الفاقة {دَعَانَا لِجَنبِهِ} مريضاً: لا يمكنه الحركة {أَوْ قَاعِداً} متعباً: لا يمكنه القيام {أَوْ قَآئِماً} دائباً في طلب الرزق فلا يجد ما يسد الرمق. أو المراد أنه يدعو ربه على كل حالة هو عليها. ومن المعلوم أن حالة الإنسان وهيئته لا يعدوان ثلاث حالات: نائماً، أو قاعداً، أو قائماً {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ} الذي دعانا من أجله: شفينا مرضه، ومحونا بؤسه، وأزلنا فقره {مَرَّ} انصرف عنا، أو استمر على كفره {كَأَن لَّمْ} يحتج إلينا، ويفتقر إلى معونتنا، ولم {يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ} فكشفناه عنه {كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} الكافرين
{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ} الأمم {لَمَّا ظَلَمُواْ} كفروا {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} الآيات الدالات على صدق رسالاتهم {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} لأن الله تعالى طبع على قلوبهم؛ جزاء على كفرهم
{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ
-[248]- خَلاَئِفَ} خلفاء؛ تخلفونهم في سكنى الأرض وعمارتها {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} أتكفرون ككفرهم، وتنصرفون عن الإيمان كانصرافهم أم تؤمنون شأن سائر العقلاء

الصفحة 247