كتاب أوضح التفاسير (اسم الجزء: 1)

{وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} انصرف وأعرض الأسف: شدة الحزن {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} وكثرة البكاء ممتلىء غيظاً وكرباً وغماً، ويكتم جميع ذلك في نفسه {فَهُوَ كَظِيمٌ} قسم فيه معنى التعجب
{تَفْتَأُ} أي لا تفتأ، ولا تزال {تَذْكُرُ يُوسُفَ} دائماً وتذكر فقده {حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً} الحرض: الذي أذابه الهم والمرض، وأشرف على الهلاك وقد قلت في وصف الدنيا:
فكم لفرقتها أشفى على تلف
صب بها مولع في حبها حرض
{قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي} حالي المؤلم {وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} وحده؛ فهو القادر على الذهاب به، أو بأسبابه {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من صحة رؤيا يوسف وتحققها، واطمئناني بأن الله تعالى سيجمعني به؛ عاجلاً أو آجلاً
{يبَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ} تجسسوا. والتحسس: في الخير، والتجسس: في الشر. وقيل: إذا تجسس لنفسه؛ يقال له: تحسس، وإذا تجسس لغيره يقال له: تجسس {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ} من رحمته وفرجه فذهبوا إلى مصر
{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ} أي على يوسف {قَالُواْ يأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} الشدة والجوع {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} رديئة، أو قليلة {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} بالزيادة، أو برد أخينا. فأراد يوسف أن يكشف لهم عن حقيقته، وأن يعاتبهم على ما فعلوه عتاباً رقيقاً
{قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ} إذ تآمرتم عليه، وألقيتموه في غيابة الجب، وزعمتم أن الذئب قد أكله {وَأَخِيهِ} وما فعلتم بأخيه بنيامين؛ إذ صدقتم أنه سرق، وأشعتم ذلك؛ وقلتم: «إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل» فلما رأوا فعله، وسمعوا كلامه علموا أنه أخوهم؛ فقالوا:
{أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ} نعم {أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي} بنيامين {قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآ} بإنجائي من الهلاك المحقق، وتملكي دماء الناس وأموالهم، وبتبرئة أخي من السرقة، واجتماعه بي
-[293]- {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ} الله، ويعمل لآخرته {وَيِصْبِرْ} على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى المكاره {فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} بل يجزيهم على صبرهم وإحسانهم خير الجزاء

الصفحة 292