كتاب أوضح التفاسير (اسم الجزء: 1)

{لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} لا يغمضون أعينهم: لشدة ما يرون من الهول {وَأَفْئِدَتُهُمْ} قلوبهم {هَوَآءٌ} خالية من التفكير لكثرة فزعهم
{فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ} كفروا {رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ} أي ردنا إلى الدنيا وأمهلنا {إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ} التي دعوتنا إليها، فلم نستجب لها {وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} الذين أرسلتهم لنا فكذبناهم؛ فتقول لهم ملائكة الرحمن {أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} أي حلفتم أنكم إذا متم لا تزالون عن تلك الحالة، ولا تنتقلون إلى دار أخرى، وحياة أخرى. وذلك كقوله تعالى {وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ} (انظر مبحث التعطيل بآخر الكتاب)
{وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ} أي هو عالم بما يخفونه من الشر، وما يضمرونه من السوء والأذى للمؤمنين؛ فيجازيهم عليه {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} أي وإن كان مكرهم شديداً عظيماً؛ تبلغ قوته أن تزول منه الجبال؛ فإن الله تعالى قادر على إبطاله ومحوه، مقابلته بمكر هو أشد وأقوى منه
{وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} وقيل: «وإن» بمعنى ما؛ أي وما كان مكرهم لضعفه وهوانه {لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} وقرأ أبي وابن مسعود وغيرهما «وإن كاد» ومعنى هذه القراءة: لقد عظم مكرهم حتى كادت الجبال أن تزول منه
{فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} ما وعدهم به من النصر، ونزول العذاب بالمكذبين {أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} قوي، غالب {ذُو انْتِقَامٍ} ممن عاداه
{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ} أي مسلسلين في الأغلال؛ وقد قرنت أيديهم إلى أرجلهم، أو قرن كل مجرم مع نظيره وشبيهه في الكفر والإجرام؛ كما يفعل بمجرمي أهل الدنيا
{سَرَابِيلُهُم} ملابسهم {وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ} تعلوها وتغطيها
{لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} ما عملت في الدنيا {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} يحاسب الخلائق جميعاً في أسرع من لمح البصر
{هَذَا} القرآن {بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} أي أنزل لتبليغهم أوامر ربهم وموجدهم، وإنذارهم بغضبه على من يخالفه، وعقابه لمن يكفر به {وَلِيَذَّكَّرَ} ليتذكر به {أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} ذووا العقول.

الصفحة 311