كتاب أوضح التفاسير (اسم الجزء: 1)

{وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} أي شريعة مكان أخرى؛ أو حكماً مكان آخر، أو نسخنا آية، وأنزلنا غيرها مكانها؛ لمصلحة العباد {بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ} مختلق؛ بدليل إتيانك بشريعة أو حكم؛ غير ما عرفنا من الشرائع والأحكام، أو آية غير ما جئت به من الآيات
{قُلْ نَزَّلَهُ} أي نزل هذا القرآن الذي تنكرونه، وتنسبون إليّ افتراءه {رُوحُ الْقُدُسِ} جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام {لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ} بما فيه من الحجج الظاهرات، والآيات البينات
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ} أي إنما يعلم محمداً القرآن {بُشِّرَ} زعموا - لعنهم الله تعالى - أن غلام الفاكهبن المغيرة - وكان نصرانياً وأسلم - كان يعلم محمداً ما يقوله للناس زاعماً أنه قرآن منزل من عند الله فرد الله تعالى عليهم بقوله: {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ} أي يميلون بالقول إليه ويقصدونه بزعمهم {أَعْجَمِيٌّ} لا يكاد يبين {وَهَذَا} القرآن {لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} واضح فصيح؛ فكيف يعلمه أعجمي؟
{إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} حججه وبراهينه، أو المراد: قرآنه {لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ} سبيل الرشاد في الدنيا؛ بل يضلهم ولا يوفقهم لإصابة الحق عقوبة لهم (انظر آية 200 من سورة الشعراء)
{إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ} أي ليس محمد بمفتر ولا كاذب؛ وإنما المفترون هم {الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} ويقولون «إنما يعلمه بشر» {وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} بقالتهم هذه، وافترائهم هذا
{إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} على الكفر: بالسيف والبغي؛ فله أن يتظاهر به اتقاء الموت والعذاب {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} لا يعتريه أدنى شك أو ارتياب {وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} وطابت به نفسه، واتسع له صدره {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} بالغ الإيلام
{ذلِكَ} العذاب {بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا} اختاروها وفضلوها {عَلَى الآخِرَةِ} وما فيها من نعيم مقيم
{أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ} غطى وختم {عَلَى قُلُوبِهِمْ} فلا يفهمون الحق {وَسَمْعِهِمْ} فلا يسمعون النصح {وَأَبْصَارِهِمْ} فلا يبصرون الهدى
{لاَ جَرَمَ} لا بد ولا محالة {أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ} لأنهم لم يعملوا لها
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ} مع الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام إلى المدينة {مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} أوذوا وعذبوا {ثُمَّ جَاهَدُواْ} المشركين {وَصَبَرُواْ} على الطاعة، وعن المعصية {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا} أي بعد هذه الأعمال الصالحات، أو بعد الفتنة {لَغَفُورٌ} لهم {رَّحِيمٌ} بهم
{يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ} يوم القيامة
-[334]- {تُجَادِلُ} تحاج {عَن نَّفْسِهَا} لا يهمها غيرها؛ {يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} {وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} أي تعطى جزاء أعمالها

الصفحة 333