كتاب أوضح التفاسير (اسم الجزء: 1)

{كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} منقادون
{وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} أي إن إعادة الخلق: أهون عليه من بدئه
{هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} عبيدكم {مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه شريكاً له في ماله الذي رزقه الله تعالى؟ فإذا لم يكن ذلك كذلك؛ فكيف ترضونلله شريكاً: هو في الأصل مخلوق، ومملوكلله؟ {فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} أي أنتم وعبيدكم سواء في الرزق؛ ومع ذلك لا ترضونهم شركاء فيه؛ ورضيتملله شركاء في خلقه وملكه، من عبيده وصنع يده {تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} أن تخافون أن يرثكم عبيدكم وإماؤكم؛ كخيفة أن يرث بعضكم بعضاً. فإذا كنتم تخافونهم على أموالكم - وأنتم وهم فيها سواء - فكيف ترضون أن يشرك الله تعالى في ملكه: ما تصنعونه بأيديكم؛ وأنتم صنع يده، وفقراء رحمته؟
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ} أي أقبل عليه باهتمام {حَنِيفاً} مسلماً، مائلاً إليه {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} خلقته ودينه {الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} أعدهم لقبولها، وأهلهم لفهمها وألزمهم بها؛ بما أودعه فيهم من عقل وتمييز {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} المستقيم، الواضح، المعقول، المقبول؛ الذي تستسيغه وتقبله الفطر السليمة
{مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} راجعين إليه: مؤتمرين بأوامره، منتهين عن نواهيه
{وَكَانُواْ شِيَعاً} فرقاً {كُلُّ حِزْبٍ} كل فرقة، وجماعة {بِمَا لَدَيْهِمْ} من الآراء الباطلة، والعقائد الفاسدة {فَرِحُونَ} مسرورون؛ لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث وراء الحقائق، والسعي إلى معرفة الخير الموصل إلى رضا الرحمن ورحيب الجنان
{وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ} شدة، وفقر، ومرض {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ} راجعين إلى طاعته {ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً}
سعة، ورخاء، وصحة {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} أي يشركون غيره معه في العبادة: يخلقهم فيعبدون غيره، ويرزقهم فيشكرون سواه وللشرك مظاهر شتى لا حصر لها فليس مقصوراً على عبادة غير الله فحسب: فلو انتصر محارب على عدوه، وظن أن نصرته من قوته: فقد أشرك بمن أعانه وأخذ بناصره. ولو أثرى تاجر، وظن أن ذلك بفطنته: فقد أشرك برازقه. وإذا برع صانع في صنعته، وظن أن ذلك بحذقه ومهارته: فقد أشرك بمعلمه وموفقه فاحذر - هداك الله - الشرك الخفي؛ فقد أهلك من كان قبلكم قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} ومن قبل قال قارون {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي}
{لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ} من الخيرات والبركات: فمن مال وفير، ورزق كثير؛ إلى سرور -
-[496]- وحبور، وصحة وقوة، وبنين وبنات {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عاقبة تمتعكم، وعدم شكركم

الصفحة 495