كتاب أوضح التفاسير (اسم الجزء: 1)

{وَإِن جَاهَدَاكَ} قاتلاك {عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي على أن تعبد ما يعبدان من آلهة لا أصل لها ولا حقيقة لأمرها {فَلاَ تُطِعْهُمَا} على الشرك. وهو الأمر الوحيد الذي يستوجب عصيانهما ومخالفتهما؛ ولكنه لا يستوجب نبذهما، أو محاربتهما؛ كسائر الكفار والمشركين؛ فقد قال تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} أي بالمعروف الواجب لهما: من بر، وصلة، ومعونة. وقد أفتى الأكثرون على وجوب معاونتهما في الذهاب إلى الكنيسة متى طلبا ذلك {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ} رجع {إِلَى}
في دينه، وأمره، واستعانته، وتوكله {فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا من عمل؛ فأجازيكم عليه: ثواباً، أو عقاباً
{يبُنَيَّ إِنَّهَآ} أي الخصلة السيئة، والفعلة الذميمة {إِن تَكُ مِثْقَالَ} وزن {حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} التمثيل بحبة الخردل: مبالغة في الصغر؛ لأن حبة الخردل؛ من أصغر الحبوب {فَتَكُنْ} هذه الحبة من الخردل مستكنة {فِي صَخْرَةٍ} فلا ترى لذي عينين {أَوْ} تكن ضائعة {فِي السَّمَاوَاتِ} على سعتها {أَوْ فِي الأَرْضِ} على رحبها؛ فإنها لا تخفى على ربها؛ بل {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} الذي {يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ} بعباده {خَبِيرٌ} بأحوالهم
{يبُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ} في أوقاتها.
والصلاة لله تعالى: فرضت في سائر الشرائع المتقدمة؛ مع اختلاف بسيط في طرق أدائها؛ مع اتحادها جميعاً في الخضوع له تعالى، والالتجاء إليه، والإقرار بوحدانيته {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ} وهو كل ما يقره الشرع ويرتضيه، ويأمر به {وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وهو كل ما ينكره الشرع، وتأباه المروءَة، وتنبو عنه الأذواق السليمة {وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ} أي ما يصيبك في هذه الحياة من شدائد وبلايا، وما تلقاه من أذى عند الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما يصيبك عند كبح الجماح، عن غير المباح {إِنَّ ذَلِكَ} الصبر {مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} أي معزوماتها؛ التي يجب التمسك بها. أو «إن ذلك» الذي وصيتك به جميعاً: من إقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على المكاره
{وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} أي لا تعرض عنهم تكبراً. والصعر - بفتح العين - ميل الوجه
{وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} القصد: التوسط. أي لا تسرع في المشي؛ فيذهب بهاؤك، ولا تتباطأ؛ فتبدو خيلاؤك {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ}
-[502]- أتمها ووسعها

الصفحة 501