كتاب أوضح التفاسير (اسم الجزء: 1)

{ذَلِكَ} النظام الدقيق المحكم {بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ} الإله {الْحَقُّ} القادر؛ واجب الوجود، والموجد لكل موجود {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ} ما يعبدون {مِن دُونِهِ} غيره {الْبَاطِلُ} الزائل؛ الذي لا أصل له، ولا برهان عليه {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ} المتعالي عن صفات المخلوقين؛ بالبقاء، والقدرة؛ المتعالي عليهم بالغلبة والقهر {الْكَبِيرُ} العظيم؛ الذي لا يماثله شيء
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ} بالأرزاق والتجارات {لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ} دلائل قدرته؛ من حمل الماء للفلك، والحفظ من مهالك البحر، والهداية إلى مسالكه، والتوفيق إلى أسباب الكسب؛ فقد يقوم تاجران - في وقت واحد - بتجارة متجانسة؛ فيعود أحدهما بالمال الكثير، والربح الوفير، ويعود الآخر بالخسارة والحرمان. وقد يربح الغبي، ويخسر الذكي {لِّكُلِّ صَبَّارٍ} كثير الصبر {شَكُورٍ} كثير الشكر
{وَإِذَا غَشِيَهُمْ} غطاهم {مَّوْجٌ} شديد {كَالظُّلَلِ} الظلل: جمع ظلة؛ وهي كل ما أظلك من جبل، أو سحاب {دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أي متوجهين بقلوبهم إليه مؤمنين حق الإيمان به {فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} أي باق على الإيمان، أو هو بين بين: بين الكفر والإيمان، وقيل: مظهر للإيمان، مبطن للكفر؛ والأول أولى. والمعنى: فمنهم باق على إيمانه وإخلاصه الذي بدا منه وقت شدته، ومنهم من رجع إلى أصله، وعاد إلى كفره {خَتَّارٍ} غدار {كَفُورٍ} شديد الكفر
{وَاخْشَوْاْ يَوْماً} هو يوم القيامة {لاَّ يَجْزِي} لا يغني {وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} أي لا يتحمل والد العقوبة عن ولده، ولا مولود العقوبة عن والده؛ بل يجزي كل منهما بما فعل واكتسب
{كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} وذكر تعالى الوالد والولد: لأن الوالد محط الحب والفداء، والمولود محط الرحمة والرجاء؛ فإذا كانا لا يغني أحدهما عن الآخر شيئاً؛ فبالنسبة للأباعد يعز الغناء {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ} بالبعث والجزاء {حَقٌّ} ليس فيه مراء {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} الشيطان
{إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} كيف تقوم، ومتى تقوم؟ {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} المطر؛ وسمي المطر غيثاً: لأنه يغيث الناس من الجوع والفقر؛ ولذا سمي الكلأ غيثاً: لأنه يغيث الماشية {وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} من الأجنة: ذكراً أو أنثى؟ حياً أو ميتاً؟ شقياً أو سعيداً؟ {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً} من خير أو شر {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} فقد يسافر مسافر إلى الصين بلا سبب: فتعاجله المنية وقد يحين حينه وهو في ذروة قوته، ووافر صحته وقد يسافر ليبرأ من علته: فيأتيه الموت لساعته
-[504]- وهذه الأمور الخمسة اختص بمعرفتها العليم الخبير وقد يقال: إن علماء الفلك، والأرصاد الجوية؛ قد أصبحوا - بواسطة علمهم وآلاتهم - يعلمون متى تهب الرياح؟ ومتى تنزل الأمطار؟ وهو قول لا يعتد به، ولا يلتفت إليه؛ فكم من مرة وعدوا بالخصب: فحل الجذب، وأوعدوا بالبلاء: فعم الرخاء. وكم من مرة حذروا من البرد: فجاء الحر، ومن الحر: فجاء القر وقولهم لا يعدو التخمين والظن {وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} أما اليقين: فلا يعلمه سوى رب العالمين.

الصفحة 503