{مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ابتغاء مرضاته وثوابه {كَمَثَلِ حَبَّةٍ} من قمح؛ زرعت في الأرض فـ {أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} وهذا العدد أضعاف ما تنتجه أخصب الأراضي وأحسنها} ينمي ويزيد في الحسنات {لِمَن يَشَآءُ} أكثر من السبعمائة ضعف المذكورة: {سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} فقد يجعل الكريم الحليم، الودود الرحيم؛ من كل حبة من هذه السبعمائة: سبعمائة أخرى؛ فتكون أربعمائة وتسعين ألفاً - كما يفعل الزارع الثري الغني - ويضاعفها تعالى أيضاً إن شاء؛ وذلك معنى قوله تعالى: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} ولا حرج على فضله تعالى (انظر آية 117 من سورة آل عمران)
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ابتغاء ثوابه ومرضاته {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً} المن: أن يعتد الإنسان ويفخر على من أحسن إليه بإحسانه {وَلاَ أَذًى} ينالون به المنفق عليه؛ بأن يسخروه في المشاق، ويؤذوه بالشتم والسب؛ أولئك المنفقين الذين لا يمنون ولا يؤذون {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} وناهيك بأجر الكريم العظيم وفي هذا ما فيه من عظم الأجر، ومزيد الثواب {وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ}
{قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى} أي إنك إن تلين لأخيك القول، وتغفر له زلاته، وتعفو عن سيئاته؛ خير - عند الله - من أن تتصدق عليه صدقة تتبعها بالمن والأذى
{يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى} أي لا تذهبوا ثواب صدقاتكم بأن تمتنوا بها على الفقراء، وتقابلوهم بالسخرية والاستهزاء، وتؤذوهم بالقول أو بالفعل؛ بسبب حاجتهم إليكم، ولا تجعلوا إنفاقكم {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ} أي مراءاة لهم وتفاخراً؛ ليقال: هو كريم
-[54]- جواد.
وما أكثر هؤلاء في عصرنا هذا {فَمَثَلُهُ} أي مثل المنفق رياء {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} حجر أملس {عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} مطر غزير {فَتَرَكَهُ صَلْداً} أملس لم يعلق به شيء؛ فكذلك من يرائي بعبادته وإنفاقه؛ فإن رياءه يذهب ثواب عمله، ولا يبقي له أجراً؛ كما يذهب المطر ما على الحجر الصلد الأملس من التراب {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} أي لا يجدون ثواب شيء مما أنفقوا؛ لأنهم أنفقوه رياء؛ وابتغاء الفخر؛ لا ابتغاء وجه الله تعالى ومرضاته. هذا مثلهم