{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} أي طلباً لرضائه {وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أي متثبتين مستيقنين بحسن جزائه، ومزيد ثوابه {كَمَثَلِ جَنَّةٍ} بستان {بِرَبْوَةٍ} مكان مرتفع {أَصَابَهَا وَابِلٌ} مطر شديد {فَآتَتْ أُكُلَهَا} أنتجت ثمرها {ضِعْفَيْنِ} أي مثلي ما يثمر غيرها {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} مطر قليل؛ وهو الرذاذ، أو الندى. أي أن المنفقين ابتغاء وجه الله تعالى: يتضاعف لهم ثواب أعمالهم، ويجزون عنها الجزاء الأوفى؛ وذلك بعكس المرائي الذي يمحي ثواب عمله
{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} استفهام للإنكار {أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} بستان {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} ذكر الله تعالى النخيل والأعناب في غير موضع من كتابه الجليل؛ وذلك لفتاً لأنظار ذوي الاعتبار إلى ما يحتويه الصنفان من فوائد تجل عن الحصر: فمن فوائد التمر أنه يقوي الكبد والرئتان والحلق، ويزيد في الباه مع الصنوبر، وأكله على الريق: قاتل لديدان المعدة، وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن؛ ويعتبر التمر غذاء ودواء، وفاكهة. أما العنب فهو من أجل الفواكه وأكثرها نفعاً؛ وهو يسهل ويسمن، ويقوي القلب والرئتان، ويقطع البلغم {وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ} ضعف عن السعي والكسب، واحتاج إلى الدعة والراحة {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ} أبناء صغار ضعاف؛ لا يقدرون على السعي والكسب {فَأَصَابَهَآ} أي أصاب جنته؛ الذي أصبح هو وذريته في مسيس الحاجة إلى ثمارها {إِعْصَارٌ} ريح شديد مهلكة {فِيهِ نَارٌ} أي في هذا الإعصار نار {فَاحْتَرَقَتْ} جنته بما فيها من نبات وثمار
وهذا تمثيل لذهاب ثواب المرائي يوم القيامة؛ وهو أشد ما يكون احتياجاً إلى قليل الثواب
{يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} أي من أحسن ما عندكم وأنفسه {وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} من سائر صنوف النبات والفاكهة {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} أي لا تقصدوا أردأ ما عندكم فتجودوا به؛ يؤيده قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} أي لو قدم لكم
-[55]- ما تقدمونه من الخبيث؛ لتأخذوه في حق من حقوقكم؛ ما قبلتموه لفساده ورداءته {إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} أي إلا أن تغضوا أبصاركم عن خبثه ورداءته؛ فكيف تقدمونلله ما لا ترضونه لأنفسكم أتجعلونلله ما تكرهون؟ والإغماض: غض البصر. وهو كناية عن المسامحة {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ} عنكم وعن إنفاقكم؛ ولكنه تعالى يمتحن بهذه الأوامر قلوبكم {حَمِيدٌ} محمود، وأهل لكل حمد. أو «حميد» يحمد أفعالكم الحسنة؛ فيجازيكم عليها