كتاب أوضح التفاسير (اسم الجزء: 1)

{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} وصف تعالى المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم؛ ليدل على أن أرقى النظم وأسماها: هي النظم الديمقراطية، وأن الاستبداد، في الحكومات ليس من نظام الدين، ولا من شأن المؤمنين وأن الدول التي تسير بالنظم البرلمانية: هي أولى الحكومات بالتقدير والإكبار؛ ولله در القائل:
اقرن برأيك رأي غيرك واستشر
فالحق لا يخفى على إثنينللمرء مرآة تريه وجهه
ويرى قفاه بجمع مرآتين
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} يتصدقون، وينفقون ابتغاء وجهه تعالى
{وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ} وقع عليهم الظلم {هُمْ يَنتَصِرُونَ} ينتقمون ممن ظلمهم: غير متجاوزين الحد، ولا مسرفين في الانتقام {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} لما قال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} وكانت الآية مطلقة: آمرة بالغفران من غير قيد ولا شرط؛ وربما تغالى الآخذ بها؛ فصار ذليلاً، مهاناً، جباناً: ينال منه عدوه؛ فلا يحرك ساكناً؛ فتهون نفسه عليه. وقديماً قال الشاعر:
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها
هواناً بها؛ كانت على الناس أهونا
لذا ألحقها تعالى بهذه الآية:
{وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} من غير بغي، ولا إسراف {فَمَنْ عَفَا} عمن ظلمه: خشية استفحال الضرر، وكبحاً لجماح الشر، ورجاء أن يعود الباغي عن بغيه، والظالم عن ظلمه {وَأَصْلَحَ} قلبه ومعاملته؛ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم {فَأَجْرُهُ} فجزاء عفوه وحلمه {عَلَى اللَّهِ} يكافئه عليه في الدنيا والآخرة
{وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} أي إن من أخذ حقه ممن ظلمه، وعاقب بمثل ما عوقب به: ليس لأحد عليه من سبيل لمعاقبته، أو معاتبته وبعد ذلك غلب الحليم الغفار: العفو، والحلم، والصبر، والمغفرة؛ قال تعالى:
{وَلَمَن صَبَرَ} على أذى الغير؛ فلم ينتصر لنفسه، ولم يوسع دائرة الشر، ويذكي نيران العداوة والبغضاء {وَغَفَرَ} تجاوز عن ذنب من أذنب في حقه؛ واستبدل عداوته حباً، وبعده قرباً {إِنَّ ذَلِكَ} الصبر، والحلم، والغفران {لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} أي من الأمور المستحبة، المؤدية إلى الخير دائماً
{وَتَرَى الظَّالِمِينَ} يوم القيامة {لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ} المعد لهم {يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ} رجوع إلى الدنيا {مِّن سَبِيلٍ} يطلبون الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ}
{وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} أي على النار {خَاشِعِينَ} خاضعين ذليلين؛ من شدة الهول والرعب {يَنظُرُونَ} إلى النار {مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} ذليل؛ كما ينظر المحكوم عليه إلى سيف
-[597]- الجلاد {إِنَّ الْخَاسِرِينَ} حقاً هم {الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ} بوقوعها في الجحيم، والعذاب الأليم خسروا
{أَهْلِيهِمْ} وذلك لأن أهلهم إذا كانوا صلحاء: فهم في الجنة، وإذا كانوا غير صلحاء: فهم في النار؛ فلا انتفاع بهم في كلا الحالتين. أو خسروا أهليهم من الحور العين

الصفحة 596