كتاب أوضح التفاسير (اسم الجزء: 1)

{يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} يريد تعالى أن يد الرسول التي تعلو أيدي المبايعين: هي يدالله؛ لأن الله تعالى منزه عن الجوارح، وعن صفات الأجسام. والمعنى: أن من بايع الرسول فقد بايعالله؛ كقوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} أو يكون المعنى: يد الله في العطاء، فوق أيديهم في الوفاء. ويده في المنة، فوق أيديهم في الطاعة.
وقد ذهب المجسمة - أخزاهم الله تعالى - إلى أنلله جل شأنه من الجوارح ما للإنسان. وأن كل ما في القرآن من صفاته تعالى: على ظاهرها: كاليد، والرجل، والعين، والأذن، والقيام، والجلوس، والمشي، وغير ذلك. وهو قول أجمع السلف الصالح على بطلانه، وفساده. ونرى تكفير قائله: لاستهانته بقدر مولاه سبحانه وتعالى {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} {فَمَن نَّكَثَ} نقض البيعة {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} لأن إثم نقضه يعود عليه، ويعاقب بسببه
{سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ} وهم الذين تخلفوا عن الجهاد {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} أي لم تشغلهم الأموال والأهل؛ بل شغلهم الجبن والخوف، ولم يطلبوا الاستغفار، رغبة في الاعتذار؛ بل أرادوا به النفاق، وهم كاذبون في استغفارهم، كافرون في قرارة نفوسهم {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً} فهل يستطيع أحد أن يدفعه؟ {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً} فهل يستطيع أحد أن يمنعه؟
{بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ} لن يرجع {الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ} من القتال {إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً} بل إنهم يستأصلون بالقتل والتشريد {ظَنَنْتُمْ} بالله {ظَنَّ السَّوْءِ} وأنه لن ينصر رسله {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} أي هلكى
{فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا} أعددنا وهيأنا
{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَتِ وَالأَرْضِ} وما فيهما، ومن فيهما {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} أي إنه تعالى غني عن عباده؛ يثيب من آمن، ويعذب من كفر {وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ}
{سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ} الذين تخلفوا عن الجهاد لنفاقهم
{إِذَا انطَلَقْتُمْ} في جهادهم {إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} هي مغانم خيبر {ذَرُونَا} دعونا {نَتَّبِعْكُمْ} في أخذ هذه المغانم {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ اللَّهِ} وعده لأهل الحديبية؛ وقد وعدهم غنائم خيبر خاصة؛ عوضاً عن فتح مكة؛ إذ رجعوا من الحديبية على صلح، ولم يفوزوا منها بغنيمة. وقيل: {يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ اللَّهِ} يغيروه؛ وقد قال: {فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً}
-[630]- {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} أي لم يقل الله ذلك؛ بل تحسدوننا أن نصيب معكم من الغنائم؛ وقد أراد الله تعالى أن يعطي المنافقين فرصة أخيرة تؤمنهم عذابه، وتجنبهم غضبه، وتدنيهم من رحمته: فقال لرسوله عليه الصلاة والسلام

الصفحة 629