كتاب أوضح التفاسير (اسم الجزء: 1)

{مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ} أي مثل ما ينفق الذين كفروا {فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} من بر، وصدقة، وصلة رحم {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} الصر: برد يضر الحرث والنبات {أَصَابَتْ} تلك الريح {حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ} بارتكاب المعاصي، وتعريض أنفسهم للعقاب {فَأَهْلَكَتْهُ} أي أهلكت الريح ذلك الحرث. وقد وصف تعالى المؤمنين في إنفاقهم - وما يجلبه هذا الإنفاق عليهم من أجر عظيم، وخير عميم - بقوله جل شأنه {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} فضاعف تعالى أجر المؤمن المنفق إلى سبعمائة؛ ووعد أيضاً بأن يضاعف له هذه السبعمائة أضعافاً مضاعفة {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} هذا مثل المؤمن المنفق؛ أما مثل إنفاق الكافر فقد مثله الله تعالى بالريح التي تعصف بالنبات والأقوات، وتهلك الزرع والضرع {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ} بذلك الجزاء {وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالكفر
{يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً} بطانة الرجل: خاصته وأصدقاؤه. ومنه بطانة الثوب؛ لملاصقتها له {مِّن دُونِكُمْ} أي من غير دينكم وجنسكم؛ لأن الأجنبي لا يعمل لخيرك، بل يدس ويكيد لك؛ فوجب الابتعاد عنه، والاحتراس منه؛ قال تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} أي أنهم لا يقصرون في إفسادكم، وإيصال الضرر بكم {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} أي ودوا ضرركم أشد الضرر وأبلغه؛ وهو من العنت: أي المشقة {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} بما يقذفونكم به من سباب، وما ينطقون به من كفر وهجر
{وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} مما بدا من أفواههم
{هَآأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ} وتتخذون منهم بطانة هم {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} لأنهم مفطورون على كراهة من عداهم {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} بالكتب المنزلة كلها؛ بما في ذلك كتابهم؛ في حين أنهم لا يؤمنون بكتابكم، ولا بكتابهم أيضاً لأنهم لا يعملون بما في كتابهم {وَإِذَا لَقُوكُمْ} نافقوا و {قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ} بأنفسهم {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} وعض الأنامل: عادة يفعلها المغيظ المحنق، إذا لم ينل من عدوه منالاً {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} بما في القلوب
{إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ} نصر أو غنيمة {تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ} بإخفاق مقصد أو بهزيمة من عدو {يَفْرَحُواْ بِهَا} أرأيتم أيها المؤمنون حال من ننهاكم عن اتخاذهم بطانة لكم، أو أولياء توالونهم من دون المؤمنين؟

الصفحة 76