{يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا} كلٌ نهي جاء مصحوباً بنداء المؤمنين: {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} فهو من المحرمات؛ التي يأثم فاعلها، ويثاب تاركها: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} {لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ} {لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} {لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} وأمثال ذلك. وأكل الربا من أفحش الموبقات المنهي عنها؛ خاصة إن كانت {أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} وهو ما يسميه الربويون بالفوائد المركبة؛ وهو أن يضم المرابي فوائد الدين إلى أصله، ويحتسب الدين وفوائده وفوائد الفوائد؛ وهكذا حتى يتضاعف الدين {أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} وليس معنى الآية: إباحة الربا إذا لم يكن أضعافاً مضاعفة؛ بل هو حرام قل أو كثر، ضوعف أو لم يضاعف؛ ويأثم فاعله؛ ويكفر مستحله لقوله تعالى:
{وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} الذين لا يطيعون الله فيما أمر، ولا يعبأون بتهديده ووعيده
{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي بادروا لفعل ما يوصل إليها؛ من فعل الطيبات، واجتناب المحرمات سارعوا إلى {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} هذا عرضها فكيف بطولها؟ والمراد بذلك وصفها بالسعة والبسط؛ فشبهها تعالى بأوسع ما علمه الناس وألفوه. أما وصفها الحقيقي: فهو ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب شر {أُعِدَّتْ} هذه الجنة، التي هذا وصفها، وهذه سعتها {لِّلْمُتَّقِينَ} الذين يرجون رحمة ربهم، ويخافون عذابه ووصف الله تعالى المتقين بقوله:
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ} مما آتيناهم {فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ} في اليسر والعسر، في السعة والضيق، في السرور والحزن؛ لا يمنعهم مانع عن الإنفاق والإعطاء؛ أليس هذا أمر ربهم، وتوجيهه لهم؟ {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} يقال: كظم غيظه: إذا حبسه ومنعه {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} إذا صدر منهم ما يستوجب المؤاخذة
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} الفاحشة: الفعلة القبيحة، الخارجة عما أمر الله تعالى به. وقيل: الفاحشة: الزنا {أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ} بارتكاب المعاصي، وتعريضها للعقاب {ذَكَرُواْ اللَّهَ} تذكروا أمره ونهيه، وثوابه وعقابه {فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} طلبوا منه تعالى غفرانها، وعاهدوه على تركها وعدم العودة إليها {وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ} أي لا أحد يغفرها ويمحوها سواه تعالى؛ بشرط الاستغفار، وعدم الإصرار {وَلَمْ يُصِرُّواْ} أي لم يقيموا {عَلَى مَا فَعَلُواْ} من الذنوب التي استوجبت الاستغفار وإلا فالعائد إلى ذنبه، كالمستهزىء بربه {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أن ما يفعلونه من الآثام.