كتاب أوضح التفاسير (اسم الجزء: 1)

{إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} تقتلونهم. والحس: القتل والاستئصال {بِإِذْنِهِ} بأمره وإرادته وقدرته {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ} جبنتم وضعفتم {مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} من النصر والظفر والغنيمة، وانهزام العدو في مواقع عدة {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} الغنيمة؛ فترك مراكز القتال؛ ليفوز بها {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} وثوابها؛ فثبت في مراكزه حتى قتل؛ وفاز بالأجر والشهادة؛ وأنعم بهما من سعادة
{ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} ردكم عن الكفار بالهزيمة {لِيَبْتَلِيَكُمْ} ليختبركم بالمصائب، وليظهر ثباتكم على الإيمان
{إِذْ تُصْعِدُونَ} الإصعاد: الذهاب في صعيد الأرض، أو الإبعاد فيه. والصعيد: ما على وجه الأرض من تراب وحجر ونحوهما. والمعنى: تستبقون إلى الهرب في مستوى الأرض، وفي بطون الأودية والشعاب. وقيل: هو من الصعود؛ وأنهم صعدوا هاربين في أُحد {وَلاَ تَلْوُونَ} لا تلتفتون {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} يناديكم وأنتم منهزمين: إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله {فَأَثَابَكُمْ} جزاكم {غُمّاً} هزيمة {بِغَمٍّ} أي مقابل غمكم للرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه، ومخالفتكم أمره. أو المعنى: غمكم بالهزيمة في أحد، مقابل غم الكافرين وهزيمتهم ببدر وهو كقوله تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}
{ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ} والهزيمة {أَمَنَةً نُّعَاساً} أي أنزل تعالى على المؤمنين الأمن، وأزال عنهم الخوف حتى نعسوا {يَغْشَى} هذا النعاس {طَآئِفَةٌ} جماعة {مَّنكُمْ} وهم الذين كانوا مع الرسول في القتال، وعملوا بأمره، ولم تلههم الغنائم عن طاعته: فنعسوا من كثرة ما أمنوا. والنعاس في القتال: أمن من الله ورحمة، وفي الصلاة: من الشيطان {وَطَآئِفَةٌ} أخرى؛ وهم الذين خالفوا أمر الرسول، وانصرفوا إلى الغنائم؛ فتقدم المشركون وأثخنوا المؤمنين. وهذه الطائفة {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} والمحافظة على حياتهم؛ فهم من حذر الموت، وخشية القتل في شغل {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ} الظن {الْحَقِّ} ويتوهمون أنه تعالى لا ينصر محمداً {ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} الأولى، الذين كانوا يشركون بالله، ولا يعرفون رباً يعتمدون عليه، ويكلون أمورهم إليه {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم} من النفاق {مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} وذلك لأنهم كانوا يبدون للرسول الإسلام - وهم برآء منه - والحرص على الجهاد - وهم بعداء عنه ـ.
-[82]- {لَبَرَزَ} خرج {الَّذِينَ كُتِبَ} قضى {عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} مصارعهم {وَلِيَبْتَلِيَ} يختبر {مَا فِي صُدُورِكُمْ} من إيمان وإخلاص، أو كفر ونفاق {وَلِيُمَحِّصَ} يميز حقيقة {مَا فِي قُلُوبِكُمْ} من حب له، وتفان في سبيله، أو حب للذات، وتفان في الملذات {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} بما في القلوب

الصفحة 81