كتاب أوضح التفاسير (اسم الجزء: 1)

{وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ} المبذرون وعديمو الأهلية، أو هم النساء والصبيان أي لا تؤتي ابنك السفيه، ولا امرأتك السفيهة مالك؛ وكان أبو موسى الأشعري يقول: ثلاثة يدعون الله تعالى فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيهاً، ورجل كان له دين على آخر فلم يشهد عليه.
والآية في السفهاء عامة بدون تخصيص والسفيه: هو المستحق الحجر؛ لفساده وإفساده وسوء تدبيره؛ فلا تؤتوهم {أَمْوَالَكُمُ} فيتلفونها ويضيعونها؛ وهي {الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ} أي جعلها {قِيَاماً} قواماً لأبدانكم، وسبباً لمعاشكم ويدل على أن المراد بذلك الأبناء والزوجات قوله تعالى: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} لأن الإنسان غير مكلف برزق وكسوة سائر السفهاء؛ وإن كان مكلفاً بأن يقول للجميع {قَوْلاً مَّعْرُوفاً} والقول المعروف: أن يقول لهم: إن صلحتم ورشدتم أعطيناكم كذا، وسلمنا إليكم كذا وجعلناكم رؤساء آمرين، لا مرءوسين مأمورين؛ وأمثال ذلك. وقد يكون المراد بقوله تعالى: {أَمْوَالَكُمُ}: أموالهم؛ فيكون المراد سائر السفهاء كما قدمنا. وسمى مال السفهاء: أموال المخاطبين: لأن المال مشاع الانتفاع بين الناس، وتجب المحافظة عليه على كل واحد منهم
{وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى} أي اختبروا صلاحهم ودينهم وعقلهم {حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} أي سن الزواج؛ وهو بلوغ الحلم. هذا وقد قيدت القوانين الوضعية سن الزواج لمصالح ارتآها المقنن؛ وطاعة الحاكم واجبة ما لم تمس حرمات الله تعالى {فَإِنْ آنَسْتُمْ} وجدتم وعرفتم
{مِّنْهُمْ رُشْداً} عقلاً وصلاحاً في التصرفات {فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} ليتصرفوا فيها طبقاً لرغباتهم - في حدود ما أمر الله تعالى - وإلا فالحجر واجب على كل سفيه {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} أي مسرفين ومبادرين أكل أموالهم قبل أن يكبروا ويتسلموها منكم {وَمَن كَانَ} منكم {غَنِيّاً} أيها الأوصياء فَلْيَسْتَعْفِفْ} أي فلا يأخذ أجراً على وصايته {وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} لا يزيد عن أجر إدارة أموال اليتيم فحسب
{لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ} حظ مقدر {مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ} من ذلك أيضاً {نَصِيباً مَّفْرُوضاً} فرضه الله تعالى
{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} قسمة الميراث {أُوْلُواْ الْقُرْبَى} ذوو القربة؛ ممن لا يرث
-[92]- حضر {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ} من الميراث بقدر ما تطيب به نفوسكم {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} ترضية لنفوسهم، وتطييباً لقلوبهم. وهي وصية لأولي القربى: الذين يحزنون ولا يرثون. قال تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} وقد ذهب بعضهم إلى نسخ ذلك الحكم؛ وهو محكم وليس بمنسوخ؛ وقد أجمع على ذلك الصدر الأول من الإسلام: فقد روي عن يحيىبن يعمر رضي الله تعالى عنه: ثلاث آيات محكمات مدنيات؛ تركهن الناس: هذه الآية، وآية الاستئذان {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وآية التعارف {يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ} وقيل: على الوارث الإعطاء، وعلى المعطى له قول المعروف

الصفحة 91