كتاب دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية - عرض ونقد
والنزاع مشهور بين الطوائف في هذا القسم، وتعود الأقوال المشهورة فيه إلى ثلاثة أقوال (¬1) :
القول الأول: لا يجوز تسلسل الحوادث المتعاقبة لا في الماضي، ولا في المستقبل، ويطلقون عليه - أحياناً -: امتناع وجود ما لا يتناهى في الماضي والمستقبل، وقال بهذا الجهم بن صفوان (¬2) ،
وأبو الهذيل العلاف (¬3) وعن هذا الأصل قال الجهم (ت - 128هـ) بفناء الجنة والنار، وقال أبو الهذيل (ت - 235هـ) بفناء حركات أهلهما (¬4) .
القول الثاني: يجوز تسلسل الحوادث في المستقبل دون الماضي، أو امتناع مالا يتناهى في الماضي دون المستقبل؛ لأن الماضي قد وجد، والمستقبل لم يوجد بعد، وهو قول أكثر المعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافقهم.
¬_________
(¬1) يذكر ابن تيمية رحمه الله أقسام التسلسل في الآثار والشروط وأنها ثلاثة أقسام، لكنه رحمه الله يذكر أحياناً بعض التفصيلات والاختلافات الدقيقة فيعدها أقوالاً فذكر في درء تعارض العقل والنقل 4/293 أن الأقوال أربعة (مع الاتفاق بأن أحداً من العقلاء لم يقل بدوام الحوادث في الماضي دون المستقبل) ، وذكر في المصدر نفسه 2/359 أن أقوال الناس في وجود ما لا يتناهى ستة، وهذا - في نظري - من تنويع أساليب العرض عند شيخ الإسلام، وقوة فهمه لمذاهب الخصوم: فمرة يجمل، ومرة يبين ويفصل إذا استدعى المقام إلى ذلك والله أعلم.
(¬2) الجهم بن صفوان: أبو محرز الراسبي، رأس الضلالة، كان ينكر الصفات، ويقول بخلق القرآن، ويعتقد الجبر، وأن الله في كل مكان، قتله سلم بن أحوز سنة 128هـ.
انظر في ترجمته: الكامل لابن الأثير 4/293، ميزان الاعتدال للذهبي 1/426.
(¬3) أبو الهذيل العلاف: محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي، المعروف بالعلاف، المتكلم، شيخ أهل البصرة في الاعتزال، وهو صاحب المقالات في مذهبهم، ذو فطنة ودهاء، ت سنة 235هـ.
انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد 2/85، المنية والأمل للقاضي عبد الجبار ص154.
(¬4) انظر في مقالة الجهمية وأبي الهذيل: مقالات الإسلاميين للأشعري 2/167، التبصير في الدين للإسفراييني ص108.