كتاب زهرة التفاسير (اسم الجزء: 3)

القلب، وهذا هو الذي يتفق مع صفات النبوة والقيادة الحكيمة الرشيدة الهادية الموجهة إلى أمثل الطرق الجامعة للقلوب، لأنك لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. والفظاظة خشونة المظهر، والعشرة السيئة، وسوء القول، وتجهُّم الوجه، وغلظ القلب قسوته، وقد نفى الله سبحانه وتعالى عن نبيه الغلظة في المظهر والباطن، فالغلظة في المظهر هي الفظاظة، والغلظة في الباطن قسوة القلب وكلا الوضعين من شأنه أن ينفر، ولقد قال الله تعالى في وصف نبيه: (لَقَدْ جَاءَكمْ رَسولٌ منْ أَنفسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رحِيمٌ). وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - باشًّا لطيف المعشر متسامحا رحيما لَا يقسو ولا يعنِّت أحدا ولا يغضب ولا يسْب، وما ضرب أحدا بيده قط، وكان سهلا في معاملاته متسامحا، وكان طلق الوجه دائما، رآه أعرابي، فاسترعاه بشاشته وطلق محياه فقال له: أأنت الذي تقول عنه قريش إنه كذاب؟ والله ما هذا الوجه بوجه كذاب!. وأسلم إذ دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولقد وصف عبد الله بن عمرو بن العاص النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: (إنه ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بمثلها، ولكن يعفو ويصفح) (¬1). وكان عليه الصلاة والسلام لَا يثير غيظه شيء، ويداري الناس إلا أن يكون في المداراة حق مضيع، ولقد روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض " (¬2).
وإذا كانت الغلظة منفرة فالعفو جامع، ولذلك أمر الله تعالى نبيه الكريم بما يترتب على الرفق والبشاشة، وهو العفو فقال: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمرِ).
¬________
(¬1) رواه بنحوه البخاري: تفسير القرآن - (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) (4461)، والدارمي: المقدمة - صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - (6)، وأحمد مسند المكثرين (6333) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
(¬2) جمع الجوامع (4713)، والسلسلة الضعيفة للألباني (810)، والفتح الكبير ج 1، ص 269، وكنز العمال جزء 1، ص.51.

الصفحة 1475